عالم واحد
يا ابن الوجود-فؤادك منزلى قدِّسه لنزولى، وروحك منظرى طهِّرها لظهورى.(بهاءالله)

دعوة حب من أجل السلام

دعوة لمقاومة الحرب بالسلام

 

اود ان اتخطى مشاعر الحزن والأسى والصدمة التي نشعر بها جميعا من جرّاء الأحداث الدامية التي تحدث في العالم وأتكلم عما يجب علينا عمله لتجنب مثل هذه المآسى مستقبلا. جميع الديانات السماوية ترفض العنف بشتى أنواعه و الآن الجميع يتحدث عن إنزال أقصى العقوبات بالمرتكبين. لكننا إذا ما نظرنا إلى تاريخ الحروب نجد أن العدوان يعمل على إلحاق الضرر بطريقة تفكير الناس ويحدّ من إمكانياتهم لفترة طويلة ما بعد الحرب قد تطول لأجيال عديدة. عندما نفكر بالعقوبة يجب أن نضع العدل نصب أعيننا لأن العدل هو الموضوع الأهم الذي يتعلق بنا جميعا. معظمنا ليس بمقدوره أن يجد الارهابيين ويعاقبهم ولكننا جميعا نستطيع أن نعمل  على ايجاد السلام في العالم.

السيد كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة وصف أحوال العالم في تقريره في مؤتمر الألفية كالتالي: ( 15% من سكان العالم أثرياء ، 7% متوسطي الدخل، و 78% فقراء. وبحساب آخر فان 20% من السكان لديهم  86% من الثروة، أي ان 80% من السكان الباقين لديهم فقط 14% من الثروة. ان حالة عدم المساواة هذه تزداد يوما بعد يوم. وما زال هناك أفراد يعانون تراجعا مطردا في قدرتهم على العيش.)

اليوم نشعر بالقلق على حياتنا لأن العنف الذي يرتكبه بعض الفقراء اليائسين أصبح جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية للناس في معظم بلدان العالم. نصف البشرية تعيش على أقل من دولارين في اليوم الواحد. وبالمقابل إذا نظرنا الى معدلات الاستهلاك في بعض البلدان نجدها فاحشة للغاية. فكيف يستطيع الانسان ان يعيش حياته ويبدد الثروات ويتغاضى عن الفقر المدقع الذي تعاني منه نصف البشرية. يقول السيد كوفي عنان : ( ان الفقر المدقع هو إهانة لانسانيتنا ويزيد المشاكل الأخرى سوءا). العديد من الناس يرون بأنه ليس من العدل ان يكون  هناك فقر مدقع. وهناك اخرون يرون بان الدول العظمى هي التي تسن القوانين وتطبقها حتى تبقى الوضع على ما هو عليه تخيلوا معي ان هناك بعض الافراد يلعبون لعبة " المونوبولي" فهم يلعبون لفترة ويشترون معظم العقارات ثم تأتي انت لتنضم اليهم فتقول " اعطوني بعض العقارات حتى استطيع اللعب " فيقولون لك: " لا ، يجب عليك ان تشتري العقارات بنفسك" فتقول لهم : " هذا ليس عدلا" فيقولون : "ليس بامكاننا ان نفعل شيئا. هذه قوانين اللعبة " فتقول: ولكنني لن اكسب ابدا اذا كنتم تمتلكون كل العقارات اصلا " فيقولون: " اللعبة لن تنجح الا اذا لعب جميع الافراد حسب قوانينها ".   واذا قارنا ذلك بالعالم الذي نعيش فيه فإن بعض الافراد يضعون القوانين التي يجب على الجميع ان يطيعوها . ولكن ماذا لو سنحت الفرصة لكل فرد من الأفراد أن يكون له رأي في القوانين المراد وضعها؟ حتما سيكون الوضع مختلف.

إذا نظرنا إلى الامراض المتفشية في العالم. نجد أن العديد من الافراد ينادون بضرورة توفير الأدوية والعقاقير لجميع أفراد البشر. وبالمقابل هناك بلدان تقوم بإنتاج هذه الأدوية ولكنها تحتفظ بحق ملكيتها فيموت آلاف البشر لأنهم فشلوا في الحصول على الدواء الموجود اصلا والذي كان بامكانه انقاذهم والذي يستطيع ان يحصل عليه افراد آخرون في العالم. في هذا العام هناك 5000 افريقي يموت يوميا بسبب الايدز ، أي 35 الف وفاة في الاسبوع 147 وفاة في الشهر ، وهذا يعني اكثر من 4 ملايين وفاة في العام.

ما يجب ان نضعه نصب أعيننا هو ان تصنيفنا للدول على انها دول فقيرة، دول غنية، دول عالم أول ، دول عالم ثالث، دول متقدمة ودول نامية، كل هذه العبارات جديدة في قاموس المصطلحات التاريخية وليست طبيعية فالامور لم تكن هكذا دوما. هناك فقط عالم واحد حصل كل جزء منه على خصائص ومميزات تختلف عن الآخر. دعونا نتخيل العالم كهيكل انسان فاذا تركزت قدرة النمو في بعض الاجزاء أو الاعضاء وحرمت الاعضاء الأخرى من الموارد وفيما اذا استمر هذا الخلل في النمو لفتره طويلة فان الاعضاء التي حصلت على اكثر من نصيبها من الموارد تتشوه وتتضخم اما الاعضاء التي حرمت من الموارد فانها تضمر ولن يكون بامكانها القيام بوظائفها. وما لم نقم بمعالجة سوء توزيع المواد الغذائية هذا فإن المرض سيزداد سوءا. وهذا هو حال العالم الذي نعيش فيه. إنه عالم مريض. وهو يعاني من المرض منذ مدة طويلة. وجميع الجهود التي بذلت لعلاجه باءت بالفشل لأننا لم ندرك طبيعة المرض. عندما نسمع عن الحرب في ليبيريا او اثيوبيا او رواندا او البوسنة فهل نفكر فيها على انها حربهم الناتجة عن تعصبهم؟ الحرب في انغولا لم يختارها الناس هناك وما زالت مستمرة منذ 25 عاما. في السودان يوجد مليوني شخص ماتوا وخمسة ملايين تشردوا بسبب الحرب التي استمرت 40 عاما. في عام 1997 اشتعلت نيران الحرب في الكونغو وفي العامين الماضيين مات ثلاثة ملايين شخص بسببها كان معظمهم من غير المقاتلين. لقد ازاحت بقية دول العالم بوجهها عن جميع هؤلاء مدعية بانها مشكلتهم. ولكنها في الواقع مشكلة الجميع ليست بسبب انسانيتنا المشتركة فحسب بل لأن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لجميع الدول ترتبط ارتباطا وثيقا ببعضها البعض. الداء الذي لا يتم معالجته يستفحل وتنتشر اعراض المرض في الاجزاء غير المصابة في الجسم والتي لم تبد عليها علامات المرض من قبل.

إن الاحداث الاخيرة التي حصلت في الولايات المتحدة والهجوم الارهابي على مركز التجارة العالمي البنتاغون وما تسببه ذلك في موت العديد من الابرياء يعبر عن مأساة حقيقية تستلزم حتما معاقبة المرتكبين. ولكن هذا وحده لن يكون كافيا. لن يكون بامكاننا ان ندرك اهمية القضاء على الارهاب في العالم قطعيا إلا إذا أدركنا حقيقة ان السبب الرئيس وراء الارهاب بشكل عام يرتبط ارتباطا وثيقا بالسبب الرئيسي للحروب والنزاعات التي تحصل في العالم ألا وهو التنمية غير المتوازية لدول العالم على مدى القرون الماضية. ليس من الضروري ان يكون العالم كما صنعناه. بما اننا كبشر اوجدنا هذه الاحوال فبامكاننا ان نغيرها. وعلينا جميعا  كأفراد ان نقوم بذلك. فباستطاعتنا تغيير احوال العالم عندما نغير من اعمالنا فيه لنعود الى لعبة " المونوبولي" التي ذكرت سابقا. في الواقع نحن لا نحتاج الى ثورة حتى  نجعل اللعبة اكثر انصافا. ما نحتاجه فقط هو تغيير الطريقة التي نلعب بها . باستطاعتنا ان نقوم بهذا في العالم الحقيقي. بامكاننا ان نغير القوانين حتى تصبح عادلة في نظر الجميع مثلا : اسقاط الديون عن الدول الفقيرة، او المساواة في التصويت في الامم المتحدة، او فرض الضرائب على الصفقات المالية العالمية واستخدام المبالغ في تنمية البنية التحتية للدول الفقيرة في العالم. تشير الاحصائيات الى ان هناك 345 بليونيرا في العالم تبلغ مجموع ثرواتهم اكثر من اجمالي الانتاج المحلي لبعض الدول التي يشكل مجموع عدد سكانها ما يعادل نصف سكان الكرة الارضية. من الممكن فرض الضرائب على الصفقات المالية لهؤلاء الأثرياء واستخدام المبالغ لمد يد العون للدول التي تعاني مشاكل اقتصادية وسيظل الاثرياء بخير وسيظلون مرتاحين ماديا، وسنكون اكثر امانا، اننا كافراد عاديين لدينا قدرة عظيمة لجعل العالم اكثر انصافا. اننا كالخلايا والاعصاب والعظام التي تتحد مع بعضها البعض في نظام واحد الا وهو العالم الذي نعيش فيه. ولاعمالنا تأثير أبعد من أنفسنا فقط. اننا نملك القدرة كمستهلكين، اذا اخترنا ذلك، ان نخلق ظروف عمل اكثر انصافا لمنتجي البضائع التي نستهلكها. كما انه لدينا القدرة كمواطنين في مجتمع ديموقراطي، اذا اردنا استخدام الديمقراطية ان ننتخب قادة لديهم القدرة على تغيير الاوضاع  غير المتوازنة التي يعاني منها العالم. ولن يكون بامكاننا اتخاذ مثل هذه الخطوة الا اذا ادركنا تماما باننا جزء لا يتجزأ من العالم حيث لن يكون بمقدورنا أن نغير العالم إلا إذا غيرنا انفسنا وطريقة تفكيرنا اولا.

فكروا في عملية إلغاء الرق. لقد كان لانتشار الرقيق الافريقيين الاثر الكبير في ايجاد حالة عدم التوازن التي يعاني منها العالم اليوم. ومنذ وقت ليس ببعيد جدا كان الناس يظنون ان الرق هو شئ طبيعي ولا يمكن اجتنابه، تماما كما يبدو لنا حاليا ان حالة عدم التوازن التي تعم العالم هي شئ طبيعي ومحتوم. لكن في ذلك الوقت ظهر اشخاص ادركوا بان الرق ليس امرا طبيعيا ومقبولا وقرروا تغييره فقاموا بمبادرات لم تكن في  صالحهم وبدأوا بحرب افكار قائلين بأن ما يقبله الناس كأمر طبيعي وأخلاقي هو في الواقع غير طبيعي وغير أخلاقي غيروا من طريقة تفكيرهم وغيروا من أعمالهم في العالم. وبالتالي تغير العالم. نستطيع ان نقوم بالشئ نفسه فتقرر بأن وجود الغناء الفاحش والفقر المدقع في العالم لا يعد أمرا مقبولا. ونستطيع أن نتدخل بشكل منظم في تغيير هذه الظروف من خلال مساهمتنا في الاقتصاد وفي الحكومة وفي حياة المجتمع ككل. هذه هي قدرتنا وهذه هي مسئوليتنا ولا احد يستطيع ان يحرمنا من الاستفادة من قدراتنا إذا أدركنا اننا نمتلكها فعلا. قد يبدو الأمر صعبا ولكنه ليس مستحيلا إنما يحتاج الى الصبر والعزيمة وقوة الإرادة. وفقنا الله جميعا لما فيه الخير والصلاح للعالم أجمع.

 

                               

(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 11 نوفمبر, 2006 11:20 م , من قبل gharamoh
من مصر

شكرا لكي على عودتك للتعليق على مواضيع مدونتي
سعدت لوجود قلمك
اتمنى دوام الزياره وداوم التواصل
كما اعتدت منك

وانتظر وجودك في اميلك
حتى يتسنى لي فرصة الحديث معك

دمتي بالخير

احمد بهاء


اضيف في 20 نوفمبر, 2006 03:38 م , من قبل hanasalaah
من مصر

زميلى أحمد بهاء
شكراً لمرورك ودمت دائماً بخير
هنا


اضيف في 26 نوفمبر, 2006 10:05 ص , من قبل كبير المتشردين
من مصر

عجبت حقا لاسلوبك في الكتابة عذرا علي ردي السابق ان كنت متسرعا فعلي انا اقرأ كل مقالاتك حتي احكم حكم عادل ولكن يا اختي ان كنتي مسلمة حقا احب ان اعرفك ان البهائية هي دين جديد هو كفر بائن وليس هناك اي حال للتعايش مع مثل هذا الوضع وللننتظر حتي اشعارا اخر


اضيف في 29 نوفمبر, 2006 01:43 ص , من قبل hanasalaah
من مصر

كبير المتشردين
شكراً لمرورك-وأود أن أعرف لماذا تتعجب حضرتك من اسلوبى فى الكتابة وعن ماذا تتعجب وعن اى رد سابق تعتذر؟ أود التوضيح وسعيكم مشكور.
هنا




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws

Glittery texts by bigoo.ws