عالم واحد
يا ابن الوجود-فؤادك منزلى قدِّسه لنزولى، وروحك منظرى طهِّرها لظهورى.(بهاءالله)

أدله واستدلال

سلطنة الرسل

 

        كان أحد الأسئلة التي وجهها الحاج ميرزا سيد محمد سؤالاً حول علامات ظهور القائم. فطبقا للأحاديث الشريفة سيأتي القائم بسلطنة عظيمة يحكم بها بين الناس. ولم تتحقق هذه الشروط حرفيا بمجيء حضرة الباب. ويخصص حضرة بهاءالله جزءا كبيرا من الكتاب للإجابة عن السؤال المذكور موضحا أن رسل الله جميعم قد جاءوا بالقدرة والإجلال، وكانت الشروط التي حكمت مجيئهم روحانية أكثر منها جسمانية، فسلطنتهم سلطنة إلهية وبها ظهرت هيمنتهم وسلطنتهم بين الناس. أما عن سلطنة القائم فيبين حضرة بهاءالله ما يلي:

"ولكنها ليست بتلك السلطنة والحكومة التي تدركها كل نفس، فضلا عن أن جميع الأنبياء السابقين الذين بشروا الناس بالظهور الذي يأتي بعدهم، قد ذكر كل أولئك المظاهر السابقين سلطنة الظهور التالي كما هو مسطور في كتب القبل، وإنها لم تتخصص بالقائم وحده بل أن حكم السلطنة وجميع الصفات والأسماء متحقق وثابت في حق كل أولئك المظاهر من السابقين واللاحقين، لأنهم مظاهر الصفات الغيبية، ومطالع الأسرار الإلهية كما سبقت الإشارة إليه.

وفضلا عن ذلك فإن المقصود من السلطنة هو إحاطة حضرته وقدرته على كل الممكنات -سواء أيظهر في عالم الظاهر بالاستيلاء الظاهري أو لا يظهر به- وهذا أمر منوط بإرادة حضرته ومشيئته، وليكن في علم جنابك أن المقصود من السلطنة والغنى، والحياة والموت، والحشر والنشر، المذكور في الصحف الأولى ليس هو ما يدركه الآن هؤلاء القوم ويفهمونه. بل إن المراد من السلطنة هي السلطنة التي تظهر في أيام ظهور كل واحد من شموس الحقيقة من نفس المظهر لنفسه، وهي الإحاطة الباطنية التي بها يحيطون بكل من في السموات والأرض. ثم تظهر بعدئذ في عالم الظاهر بحسب استعداد الكون والزمان والخلق."

ويورد حضرة بهاءالله مقارنة بين هيمنة المظاهر الإلهية وقوّتهم الخلاقة وبين السلطنة الزائلة لملوك الأرض:

"فانصفوا الآن أي السلطنتين أكبر وأعظم، أتلك السلطنة التي بحرف واحد وبيان واحد، صار لها كل هذا التصرف والغلبة والهيمنة، أم سلطنة أولئك السلاطين الذين بحسب الظاهر يخضع الناس لهم أياما معدودات بفضل إعانة الرعايا ومعاونة الفقراء لهم؟ بينما هم في الحقيقة معرضون ومدبرون عنهم بالقلوب. وهذه السلطنة قد سخرت العالم بحرف واحد ومنحته الحياة وأفاضت عليه الوجود- ما للتراب ورب الأرباب! بل كيف يمكن أن تذكر هناك نسبة مع أن كل النسب مقطوعة لدى ساحة قدس سلطنته؟ وإذا ما أمعنت النظر لشاهدت أن خدام عتبته لهم سلطنة على كل المخلوقات والموجودات كما ظهر ويظهر."

        ومن بين القصص التي أوردها حضرة بهاءالله تبيانا لمعنى السلطنة والغلبة المنسوبة إلى رسل الله قصة عيسى عليه السلام عندما كان أسيرا بأيدي اليهود:

"وكذلك انظر وتأمل، كيف أن اليهود قد أحاطوا بعيسى ابن مريم ذات يوم، وطلبوا منه الإقرار بما ادعى به من أنه هو المسيح والنبي، ليحكموا عليه بالكفر وينفذوا فيه حد القتل، حتى أحضروا شمس سماء المعاني في مجلس بيلاطس بحضور قيافا الذي كان أعظم علماء ذاك العصر. وأحضروا في ذلك المجلس أيضا جميع العلماء، واجتمع كذلك جمع كبير بقصد التفرج عليه والاستهزاء به وإيذاء حضرته. وحدث أنه كلما استفسروا من حضرته لعلهم يسمعون منه إقرارا، كان حضرته يختار السكوت، وما تعرض للجواب عليهم أبدا إلى أن قام ملعون وجاء في مقابل وجهه وحلفه قائلا: أو لم تقل إني مسيح الله؟ وإني ملك اليهود؟ وإني صاحب كتاب وإني مخرب يوم السبت؟ فرفع حضرته رأسه المبارك وأجاب: أما ترى بأن ابن الإنسان قد جلس عن يمين القدرة والقوة، يعني أما ترى ابن الإنسان جالسا عن يمين القدرة والقوة الإلهية. والحال أنه بحسب الظاهر لم يكن موجودا لدى حضرته شيء أبدا من أسباب القدرة إلا القدرة الباطنية التي قد أحاطت بكل من في السموات والأرض."

        وفي معرض شرحه للسلطنة استرسل حضرة بهاءالله في وصف المصائب والبلايا التي نزلت برسل الله وأصفيائه، فيصف استشهاد الإمام الحسين الذي سما بالإسلام مجدا وبهاء. كما يصور الآلام والمحن التي ابتلي بها محمد رسول الله في أولى سنوات دعوته. وفي هذا السياق يوضح كيف أن الكلمة التي ينطق بها رسول الله تنقل الإنسان بروحه من الجهل والبؤس إلى عالم الفضائل والكمالات الإلهية المجيدة. وبقوة نفوذ كلمته يؤلف بين قلوب من تخالف من الشعوب والقبائل فيجعل منهم أمة واحدة. ويضرب مثلا على ذلك تلك النبؤة المعروفة في التوراة:

"... وعلاوة على ذلك، كم من أناس مختلفين في العقائد، ومتباينين في المذاهب، ومتفاوتين في المزاج، قد لبسوا قميص التوحيد الجديد من هذا النسيم(1) - نسيم الرضوان الإلهي وربيع القدس المعنوي. وشربوا من كأس التفريد.

_____________________________________________________________________

(1)      دلالة على مجيء المظهر الإلهي.

    هذا هو معنى الحديث المشهور القائل بأن (الذئب والغنم يأكلان ويشربان من محل واحد)(1). والآن انظر إلى عدم عرفان هؤلاء الجهلاء، كيف أنهم لا زالوا ينتظرون مثل الأمم السابقة متى تجتمع هذه الحيوانات على خوان واحد- هذه درجة عرفان أولئك الناس، كأنهم ما شربوا من كأس الإنصاف أبدا وما مشوا في سبيل العدل خطوة. وبصرف النظر عن ذلك، فأي حسن يحدثه وقوع هذا الأمر في العالم. فنعم ما نزل في شأنهم (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها"(2).

 

معنى "الحياة" و"الموت" و"البعث"

 

        ويعود حضرة بهاءالله لينزل بقلمه الأعلى تفسيرا لمصطلحات وردت في الكتب المقدسة للرسالات السابقة مثل "الحياة" و"الموت" و"القيامة" و"النفخ في الصور" و"الجنة" و"النار" فيصرح قائلا:

"...والمقصود من الموت والحياة المذكورين في الكتب هو الموت الإيماني والحياة الإيمانية. وبسبب عدم إدراك هذا المعنى اعترضت عامة الناس في كل ظهور، ولم يهتدوا إلى شمس الهداية، ولم يقتدوا بالجمال الأزلي."

        ويؤكد على أن "يوم القيامة" لا يتحقق إلا بظهور المظهر الإلهي، فبواسطة كلمته ورسالته يخرج الناس من قبور الكفر إلى _____________________________________________________________________

(1)      سفر أشعيا، إصحاح 65، آية 25.

(2)      القرآن الكريم، سورة الأعراف، آية 179.

نور الحياة الروحانية. وهذه بعض كلمات حضرة بهاءالله بهذا الخصوص:

إن هذا المطلب وتلك الأحوال كانت في كل الأعصار في أيام ظهور مظاهر الحق. كما قال عيسى عليه السلام (لا بد لكم بأن تولدوا مرة أخرى)(1). وكما قال في مقام آخر (من لم يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح)(2) أي أن النفس التي لم تحي من ماء المعرفة الإلهية وروح القدس العيسوي، فإنها غير لائقة للدخول والورود في الملكوت الرباني. لأن الذي ظهر من الجسد وتولد منه فهو جسد، والمولود من الروح التي هي نفس عيسى فهو روح. وخلاصة المعنى هو أن العباد الذين ولدوا من روح المظاهر القدسية، وحيوا من نفختهم في أي ظهور يصدق عليهم حكم الحياة والبعث والورود في جنة المحبة الإلهية. وما عداهم من العباد يصدق عليهم حكم آخر، هو الموت والغفلة، والورود في نار الكفر والغضب الإلهي. ولقد أطلق في الكتب والألواح والصحائف حكم الموت والنار، وعدم البصر والقلب والسمع على الذين لم يشربوا من كؤوس المعارف اللطيفة ولم تفز قلوبهم بفيض روح القدس إبّان ظهوره في كل عصر كما أشير إليه من قبل (لهم قلوب لا يفقهون بها)(3).

وفي مقام آخر في الإنجيل مسطور بأنه في ذات يوم توفي والد أحد أصحاب عيسى. فعرض الأمر على حضرته وطلب منه إجازة ليذهب ليكفنه ويدفنه ثم يرجع. فأجابه جوهر __________________________________________________________________

(1)      سفر يوحنا، إصحاح 3، آية 7.

(2)      المصدر السابق، الآيتان 5-6.

(3)      القرآن الكريم، سورة الأعراف، آية 179.

        الانقطاع (دع الموتى يدفنون موتاهم)(1)".

        وفي القرآن الكريم عدة إشارات إلى "يوم" يلقى فيه الناس رب العالمين، ولا تفسير لذلك سوى المثول بين يدي المظهر الإلهي. كما يؤكده حضرة بهاءالله بقوله:

        "وهذا اللقاء لا يتيسر لأحد إلا في القيامة، التي هي قيام نفس الله بمظهره الكلي.

وهذا هو معنى القيامة المذكورة والمسطورة في كل الكتب والتي بها وعد جميع الناس وبشروا بذلك اليوم. فانظر الآن هل يتصور يوم أعز من هذا اليوم وأكبر منه وأعظم، حتى يسمح الإنسان لنفسه بأن يفلت من يده مثل هذا اليوم، ويحرم نفسه من فيوضات هذا اليوم الجارية من قبل الرحمن كأمطار الربيع؟ وبعد أن قام الدليل بتمامه على أنه لا يوجد يوم أعظم من هذا اليوم، ولا أعز من هذا الأمر، كيف يجوز لإنسان أن يحرم نفسه من فضل كهذا الفضل الأكبر بكلمات المتوهمين والظانين. وفضلا عن كل هذه الدلائل المحكمة المتقنة التي لا مفر لأي عاقل منها، ولا مهرب لأي عارف عنها، أما سمعوا الرواية المشهورة التي تقول(إذا قام القائم قامت القيامة). وكذلك فسر أئمة الهدى والأنوار التي لا تطفى الآية الكريمة (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام)(2) بأنها تشير إلى حضرة القائم وظهوره."

-------------------------------------------------------------------------------------------

(1)      إنجيل لوقا، إصحاح 9، آية 60؛ كما ورد في "كتاب الإيقان"

(2)      القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 210.

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws

Glittery texts by bigoo.ws