حجاب العلم يزخر الفصل الثاني من "وكتاب الإيقان" بالعديد من الإشارات إلى العلماء ورجال الدين الذين منعوا الناس بعلمهم عن التوجه إلى منظر الأحدية. وقد وردت مثل هذه الإشارات في الفصل الأول من الكتاب، إلا أنها هنا موجهة بصورة خاصة إلى علماء الإسلام، لأن العلوم التحصيلية قد تصبح حجابا بين الإنسان وربه. وإلى هذا الحجاب يشير حضرة بهاءالله بقوله: "ولقد حرقنا الحجاب الأكبر بنار محبة المحجوب، ذاك الحجاب الذي قيل فيه -العلم هو الحجاب الأكبر- وأقمنا مكانه سرادقا آخر... ولم نترك في القلب والفؤاد محلا لغير المقصود، وما كنا متمسكين بعلم غير علمه، ولا متشبثين بمعلوم غير تجلي أنواره." إن إدراك المظهر الإلهي وعرفانه لا يعتمدان على تحصيل العلوم والمعرفة الدنيوية وعليه يتفضل: "والحال أن فهم الكلمات الإلهية، وإدراك بيانات الحمامات المعنوية، ليس له أي دخل بالعلم الظاهري. بل هو منوط بصفاء القلب، وتزكية النفوس، وتجرد الروح. كما هو مشهود الآن في فئة من العباد الذين ما عرفوا حرفا من رسوم العلم، لكنهم جالسون على رفرف العلم، ورياض قلوبهم مزينة بأوراد الحكمة وأزهار المعرفة، من سحاب الفيض الإلهي.فطوبى للمخلصين من أنوار يوم عظيم." الباحث الحقيقي إن أكثر أقوال حضرة بهاءالله وضوحا في الكتاب تلك التي تتعلق بخصائص السالك سبيل العرفان وصفاته. وقد وجه إلى الحاج ميرزا سيد محمد -خال حضرة الباب- الكلمات التالية: "ولكن يا أخي إن الشخص المجاهد الذي أراد أن يخطو بقدم الطلب والسلوك، في سبيل معرفة سلطان القدم، يجب عليه في بداية الأمر، أن يجعل القلب الذي هو محل ظهور تجلي الأسرار الغيبية الإلهية، مطهرا ومنزها عن كل غبرة مظلمة من غبار العلوم الاكتسابية، وإشارات المظاهر الشيطانية. ويجعل الصدر الذي هو سرير ورود وجلوس محبة المحبوب الأزلي لطيفا ونظيفا. وكذلك يقدس القلب عن كل ما يتعلق بالماء والطين. يعني أن يجعله مقدسا عن جميع النقوش الشبحية والصور الظلية، بدرجة لا يبقى في القلب آثار للحب والبغض، كيلا يميل به الحب عن جهة أو يمنعه البغض عن جهة بلا دليل. وذلك كما منع اليوم أكثر الناس لهذين الوجهين عن الوجه الباقي، وعن حضرة صاحب المعاني، وأصبحوا يرتعون بلا راع في صحارى الضلالة والنسيان. ويجب على السالك في كل حين أن يتوكل على الحق، وأن يعرض عن الخلق وينقطع عن عالم التراب، ويتمسك برب الأرباب. ولا يرجح نفسه على أحد، ويمحو عن لوح قلبه الافتخار والاستكبار، ويأخذ نفسه بالصبر والاصطبار، ويتخذ الصمت له شعارا. ويحترز عن التكلم بما لا فائدة فيه، لأن اللسان نار خامدة وكثرة البيان سم قاتل. فالنار الظاهرة تحرق الأجساد، ونار اللسان تكوي الأفئدة والأرواح. أثر تلك النار يفنى بعد ساعة، وأثر هذه النار يبقى قرنا من الزمان. وعلى السالك أن يعد الغيبة ضلالة. وأن لا يخطو بقدمه أبدا في تلك الساحة، لأن الغيبة تطفئ سراج القلب المنير. وتميت الحياة من الفؤاد. يقنع بالقليل، ويزهد عن طلب الكثير. يعد مصاحبة المنقطعين غنيمة. والعزلة عن المتمسكين بالدنيا والمتكبرين نعمة. يشتغل في الأسحار بالأذكار، ويسعى في طلب محبوبه بتمام الهمة والاقتدار. يحرق حجاب الغفلة بنار الحب والذكر. يفر كالبرق عما سوى الله. يجود بنصيب على البائسين، ولا يتوقف عن العطاء والإحسان للمحرومين. ينظر بعين الرعاية للحيوان، فكيف بالإنسان، وأهل البيان. لا يبخل بالروح عن المحبوب. ولا يحترز عن الحق خشية شماتة الخلق. وما لا يرضاه لنفسه لا يرتضيه لغيره. ولا يقول بما لا يفي به ويعفو عن الخاطئين عند كمال القدرة عليهم، ويطلب لهم المغفرة ويصفح عن العاصين ولا ينظر إليهم بعين الحقارة، لأن حسن الخاتمة مجهول. إذ كم من عاص يتوفق حين الموت إلى جوهر الإيمان ويذوق خمرة البقاء ويسرع إلى الملأ الأعلى. وكم من مطيع ومؤمن ينقلب حين ارتقاء الروح، ويستقر في أسفل دركات النيران. والخلاصة أن المقصود من جميع هذه البيانات المتقنة والإشارات المحكمة هو أنه يجب على السالك والطالب أن يعلم ويعتقد بأن ما سوى الله فان، وما دون المعبود معدوم. وهذه الشرائط هي من صفات العالين، وسجايا الروحانيين، ذكرت في شرائط المجاهدين، وسير السالكين في مناهج علم اليقين. وبعد أن تتحقق هذه المقامات في السالك المنقطع، والطالب الصادق يصدق في حقه لفظ المجاهد. وإذا ما صار مؤيدا بعمل: (والذين جاهدوا فينا)(1) فلا بد أن يستبشر ببشارة (لنهدينهم سبلنا)(2). وإذا ما أوقد في القلب سراج الطلب والمجاهدة، والذوق والشوق والعشق والوله، والجذب والحب، وهب _____________________________________________________________________ (1) القرآن الكريم، سورة العنكبوت، آية 69. (2) المصدر السابق. نسيم المحبة من شطر الأحدية، تزول ظلمة ضلالة الشك والريب، وتحيط أنوار العلم واليقين بكل أركان الوجود. ففي ذلك الحين يطلع البشير المعنوي كالصبح الصادق، من المدينة الإلهية بالبشارة الروحانية، ويستيقظ القلب والنفس والروح من نوم الغفلة بصور المعرفة، ويمنح حياة جديدة بديعة بتأييدات وعنايات من روح القدس الصمداني، بحيث يرى نفسه صاحب بصر جديد، وسمع بديع، وقلب وفؤاد جديد. ويرى الآيات الواضحة في الآفاق، والحقائق المستورة في الأنفس. ويشاهد بعين الله البديعة في كل ذرة بابا مفتوحا للوصول إلى مراتب عين اليقين، وحق اليقين ونور اليقين. ويلاحظ في جميع الأشياء أسرار تجلي الوحدانية، وآثار الظهور الصمدانية".
الاربعاء, 28 نوفمبر, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











