الكلمة الإلهية لولاية حضرة بهاءالله ميزتان لا مثيل لهما في تاريخ الإنسانية. أولاهما المعاناة والاضطهاد اللذان ابتلي بهما صاحب الظهور الإلهي. وثانيتهما غزارة آثاره وكتاباته. ولا أدل على ذلك سوى التباين بين النور والظلمة، العظمة والعبودية، العزة والذلة. ويمكن وصف حياته بكتاب اسودت صفحاته بما ارتكبه جيل ضال من قسوة ووحشية، إلا أن حروفه لمعت بأنوار الوحي الإلهي وأشرقت ببهائها على عالم غلفته سحب الجهل والتعصب.
إن القوى الروحية الكامنة التي أطلقها حضرة بهاءالله في السنوات الأربعين لولايته، في هذا الظهور الأعظم قدر لها أن تعيد للبشرية حياتها وتؤسس لها حضارة إلهية بشر بها الرسل السابقون على أنها "ملكوت الله على الأرض". فالقناة التي جرت منها هي الكلمة الإلهية التي أظهرها للوجود في هذا العصر. لم تكن تلك الكلمة ثمرة العلم والمعرفة، بل كانت من وحي الروح القدس لأن حضرة بهاءالله لم يتلقَّ إلا تعليما ابتدائيا محدودا. الكلمة الإلهية منزهة عن المعرفة المكتسبة
كان معظم سكان بلاد فارس في القرن التاسع عشر أميين تحت سيطرة رجال الدين يطيعونهم طاعة عمياء. فهناك طبقتان متعلمتان: علماء الدين ورجال الدولة ثم عدد قليل من عامة الناس. ولقب "العالِم" لم يكن يطلق إلا على أقطاب الدين ورجاله حيث كانوا يمضون عقود أعمارهم في دراسة الفقه والشريعة الإسلامية وقوانين التشريع والفلسفة والطب والفلك، وفوق ذلك كله اللغة العربية وآدابها لأنها لغة القرآن، وهذا ما دعا رجال الدين إلى الاهتمام بها حيث قضى العديد منهم سني حياته في صقل ملكة الإبداع فيها لسعتها وغناها في التعبير، واعتبروا أن بحثا لم يكتب بالعربية لا قيمة له، وأي خطبة تلقى من على المنبر لم يستعمل الخطيب فيها كثيرا من الكلمات العربية الصعبة لن تلقى نصيبها من التأثير، وغالبا ما تكون غير مفهومة للعوام. وبهذا النهج كان الوعاظ يسرحون بخيال المستمعين الأميين في غالبيتهم، فيصابون بالذهول وتبدو لهم مليئة بالعلم. فكان مقياس علوم الإنسان معرفته باللغة العربية وحجم عمامته. أما الطبقة الثانية فتضم رجال الدولة والموظفين وبعض التجار الذين ما أصابوا من العلم إلا قليلا في طفولتهم من قراءة وكتابة ودراسة الخط والقرآن الكريم وبعض أعمال شعراء الأدب الفارسي المشهورين، وكل ذلك يتم خلال سنوات قليلة يختتمها بعضهم بالزواج قبل سن العشرين، كما جرت العادة.
إلى هذه الطبقة كان ينتمي حضرة بهاءالله، وكان لوالده مكانة مرموقة في بلاط الشاه ومشهورا كخطاط مبدع، ذلك الفن الذي يمنح صاحبه منزلة رفيعة لدى الدوائر الملكية. تلقى حضرة بهاءالله تعليمه الابتدائي في طفولته لفترة قصيرة وبرع في الخط كوالده، وهناك نماذج رائعة من خطه في محفظة الآثار البهائية العالمية على جبل الكرمل. وعندما بلغ التاسعة عشرة تزوج من آسية خانم ورزقا بسبعة أولاد بقي منهم ثلاثة على قيد الحياة هم: حضرة عبدالبهاء، الورقة المباركة العليا وميرزا مهدي (الغصن الأطهر).
كان رجال الدولة في تلك الأيام يتنعمون بما توفره لهم السلطة المستبدة واتصفوا بالغطرسة والعدوانية، ومجرد وجودهم يثير الرعب في نفوس الأبرياء. أما حضرة بهاءالله فكان على العكس من ذلك، ومن قابله في شبابه تملّكه العجب. فوالده يتبوأ منصبا مرموقا في بلاط الشاه وله حظوة لدى رئيس الوزراء، فمن الطبيعي أن تظهر عليه علائم التجبر والاستبداد، إلا أن حياته كانت تجسيدا للرحمة والشفقة والمحبة، فكان لليتيم أبا حنونا وللذليل عونا وللفقير والمحتاج ملجأ وملاذا. فجعلت منه هذه الفضائل الإلهية، التي انعكست على حياته منذ الصغر، موضع حب وافتتان لكل من سمع باسمه والتقى بشخصيته الجذابة.
وعلى الرغم من أن رجال الدولة كانوا في ذلك الزمان ساسة الأمة في بلاد فارس، إلا أن رجال الدين الأقوياء كانوا يعتبرونهم أقل مرتبة منهم وغير لائقين لولوج دنيا العلم والمعرفة. كان حضرة بهاءالله يدهشهم جميعا بسعة علمه وعمق كلماته وبشرحه في أكثر من مناسبة بحضور العلماء معضلات دينية إسلامية غامضة بأسلوب سلس بليغ.
لم تكن الكلمة الإلهية ثمرة العلوم المكتسبة، فحاملو الرسالات السماوية لم يتلقوا تعليما في أغلب الأحيان، فلم يكن موسى وعيسى رجلي علم ولا كان محمد مثقفا. وعند إشراق أنوار الوحي على قلبه نطق بالكلمات الإلهية التي كان يسجلها أحد صحابته في بعض الأحيان فورا وفي مكان نزولها، أو كانت تحفظ في الصدور لتدون فيما بعد. أما حضرة الباب وحضرة بهاءالله فلم يتجاوز تعليمهما المرحلة الابتدائية، إلا أن علمهما الموحى به كان فطريا أحاط البشرية جمعاء. في أحد ألواحه المباركة المعروف بـ"لوح الحكمة"، الغني بنصائحه وتوجيهاته للفرد في سلوكه، بيّن حضرة بهاءالله جانبا من المعتقدات الأساسية لبعض فلاسفة الإغريق القدماء، وذكر أنه لم يدخل مدرسة ولم يطلع على علوم الناس، بل إن معرفته بكل هذا أوحيت له من ذي القدرة والجلال وانطبعت على صفحة قلبه ونطق بها لسانه في كلمات. وفي لوح آخر كشف حضرة بهاءالله عن مصدر علمه ومشرق رسالته الإلهية في الكلمات التالية: "يا سلطان، إني كنت كأحد من العباد وراقدا على المهاد، مرّت عليّ نسائم السبحان وعلّمني علم ما كان. ليس هذا من عندي بل من لدن عزيز عليم... هذه ورقة حرّكتها أرياح مشية ربك العزيز الحميد".(1) ظهور حضرة بهاءالله وجوهر رسالته الإلهية أدى الوصال الرمزي بين الله -باعتباره الأب- والرسول المختار -باعتباره الأم- إلى إنجاب الوحي الإلهي الذي نطق بالكلمة الإلهية. من المستحيل على الإنسان إدراك هذه العلاقة المقدسة، فهي واسطة الاتصال بمظهر أمره، إذ أن معلوماتنا المحدودة في هذا السياق مستقاة من كلمات حضرة بهاءالله، وتظل الكلمات غير قادرة على التعبير عن الحقيقة الروحانية. فللكلمة الإلهية روح باطنية وشكل خارجي، ولا يمكن الإحاطة بالروح المودعة في باطن الكلمة لأنها تنتمي إلى عالم اللامخلوق ووجدت بقوة الروح القدس، بينما يكون الشكل الخارجي قناة تعبر فيها الروح القدس. وعندما تتعلق الكلمة الإلهية بعالم الإنسان تغدو محدودة. وبما أن الأم تترك في طفلها شيئا من صفاتها وملامحها، كذلك فإن حامل الرسالة السماوية يؤثر على الشكل الخارجي للكلمة الإلهية. ولنأخذ مثلا النبي e الذي ولد في الجزيرة العربية وتكلم العربية فارتبطت الكلمة الإلهية في القرآن الكريم بطبيعة المجتمع الذي نشأ فيه ارتباطا وثيقا. ولكون حضرة بهاءالله فارسيا فقد نزلت الكلمة الإلهية بالفارسية والعربية. فشخصيته وأسلوبه وطبيعة اللغة الفارسية ومصطلحاتها وأمثالها والقصص التي أوردها عن حياة معاصريه في ذاك القطر والأماكن التي نفي إليها، أثرت في شكل الكلمة الإلهية المنزلة في هذه الدورة. وبالرغم من أن حضرة بهاءالله لم يتلق العلم في مدارس الفقه وحلقات الدراسة، فقد شهد له الضالعون بفنون الأدب بأن كتاباته باللغتين العربية والفارسية متفوقة في غناها وجمالها وفصاحتها من الناحية الأدبية. ومع أنه كان غير متمرس باللغة العربية ومفرداتها الواسعة وقواعدها الصعبة، التي كانت تستنفد حياة رجال الدين كلها في سبيل إتقانها، فإنه أثرى الأدب العربي بكتاباته بحيث أوجد أسلوبا جديدا، كما حدث في أيام النبي محمد e بحيث ألهم الباحثين والكتاب البهائيين، وكذا الأمر في كتاباته بالفارسية.
لن يجد القارئ نفسه في أسمى العوالم مفتونا بجمال أسلوبه وفصيح عباراته وتدفق كلماته ووضوح إنشائه وعمق بياناته فحسب، بل سيجد أمامه أيضا ما أبدعه حضرة بهاءالله من مصطلحات جديدة تنقله إلى فهم أوسع وإدراك أعمق لحقائق عالم الروح بدرجة كبيرة.
نزلت كتابات حضرة بهاءالله، المعروفة بـ"الألواح"، بالعربية أو الفارسية وغالبا بالاثنتين معا. فهناك العديد من الألواح نزل جزء منها بالفارسية وجزء بالعربية وقد أشار في أحد ألواحه إلى اللغة العربية بأنها "اللغة الفصحى" وإلى اللغة الفارسية بأنها "اللغة النوراء" و"اللغة الحلوة". وامتازت كتاباته العربية بالقوة والعظمة، وتبرز بياناته فيها في قمة عظمتها وفصاحتها، وتتصف كتاباته الفارسية بالجمال والدفء وتحريك المشاعر الروحانية. وبعكس الكتّاب الذين ينشدون العمل في جو هاديء، فقد أنزل معظم ألواحه في خضم البلايا خلال نفيه أربع مرات متتالية.
وحتى يستطيع الكاتب أن يكتب، لا بد أن يعتمد على علمه ومعرفته ثم يتفكر ويتأمل في الموضوع ويقوم بالبحث، وبعد عمل مضن قد يتمكن من إنتاج كتاب يخضع دائما للتصحيح والتحسين، وغالبا ما يشعر الكاتب بضرورة إعادة محاولته من جديد. ولكن الأمر مع مظاهر أمر الله مختلف حيث لا يعتمد هؤلاء في ما يبدعونه من آثار على إنجازاتهم البشرية.
كانت الكلمات الإلهية تنهمر من شفتي حضرة بهاءالله عند نزول الوحي، ويقوم كاتب وحيه بتدوينها وأحيانا يكتبها بنفسه، وقد شهد حضرته في أحد ألواحه بأن غالبا ما عجز كاتب الوحي عن تدوينها لغزارة تدفقها.
يتضمن القرآن الكريم حوالي ستة آلاف وثلاثمائة آية نزلت على النبي محمد e خلال ثلاث وعشرين سنة، إلا أن تدفق الآيات في هذا الظهور أفاض على الإنسانية بغزارة بحيث أنزل حضرة بهاءالله في ساعة واحدة ما يعادل ألف آية. وشهد حضرته بقوله: "بلغ اليوم من الفضل أن لو استطاع أحد الكتبة أن ينجز مهمته لنزل في اليوم والليلة من سماء القدس الربانية ما يعادل البيان الفارسي(1)."(2) أحاطت الكلمة الإلهية بالبشرية في هذا العصر وكأن أبواب ___________________________________________________________________ (1) "كتاب البيان" هو أم الكتاب في الدورة البابية وأنزله حضرة الباب. السماء قد فتحت. ففي فترة الأربعين سنة من ولاية حضرة بهاءالله، انغمس الوجود في بحر من الفيض الإلهي أطلق قوى روحية هائلة لا يدرك أحد كنه إمكاناتها. فكتاباته آثار مقدسة للجنس البشري كافة وهي غزيرة وواسعة -بشهادة حضرته- بحيث أنها تؤلف ما لا يقل عن مائة مجلد لو جمعت.
السبت, 29 سبتمبر, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











