عالم واحد
يا ابن الوجود-فؤادك منزلى قدِّسه لنزولى، وروحك منظرى طهِّرها لظهورى.(بهاءالله)

استمرارية الوحى الإلهى

" اثبات لزوم المربي "

 

لو نمعن النظر في عالم الوجود نلاحظ ان عالم الجماد والنبات والحيوان والانسان كلا وطرا في حاجة الى مرب فاذا لم يكن للارض مرب يتعهدها تصير غابة وتخرج نباتا لا فائدة فيه اما اذا وجد لها من يتعهدها ويرعاها فانها تؤتي أكلا يقتات به ذو الارواح: اذا صار من المعلوم ان الارض تحتاج الى عناية الزارع ورعايته لها: انظروا الى الاشجار انها لو تركت بدون مرب فانها لاتأتي بثمر وتكون عديمة الفائدة اما اذا تربت وتعهدت فذلك الشجر الغير المثمر يصبح مثمرا وبالتربية والتلقيح والتطعيم تعطي الاشجار ذات الاثمار المرة فواكه شهية- وهذه ادلة عقلية واهل العالم اليوم في حاجة الى الدلائل العقلية.

وكذلك انظر الى الحيوان تجده بالتربية يصبح اليفا واذا ترك انسان بلا تربية يصير حيوانا بل لو ترك والطبيعة يصير احط من الحيوان اما اذا ربيته الفيته ملاكا لان اكثر الحيوان لا يأكل ابناء نوعه اما الانسان في السودان باواسط افريقيا فانه يفتك بابناء نوعه ويأكلهم ومن هذا ترون ان التربية هي التي تجمع الشرق والغرب تحت راية حكم الانسان: والتربية هي التي تظهر كل هذه الصنائع العجيبة: والتربية هي التي تروج هذه الفنون والعلوم العظيمة: والتربية هي التي تظهر هذه المكتشفات فلولا المربي لما تهيأت باي وجه من الوجوه اسباب الراحة والمدنية هذه كما ترى ولو ترك انسان في صحراء بحيث لا يرى احدا من ابناء نوعه فلا مرية في انه يصبح حيوانا محضا.

يعلم من هذا انه لا بد من المربي ولكن التربية على ثلاثة انواع تربية جسمانية وتربية انسانية وتربية روحانية- فالتربية الجسمانية هي لنشوء الجسم ونموه وذلك يكون بتسهيل سبل المعيشة وتوفير اسباب الراحة والرفاهية التي فيها يشترك الانسان والحيوان.

واما التربية الانسانية فهي عبارة عن المدنية والترقي والسعادة يعني السياسة والنظام والتجارة والصناعة والعلوم والفنون والاستكشافات العظيمة والاختراعات الجليلة التي بها يمتاز الانسان عن الحيوان واما التربية الالهية فهي تربية ملكوتية هي اكتساب كمالات الهية هي التربية الحقيقية اذ بها يكون الانسان في هذا المقام مركز السنوحات الرحمانية ومظهر( لنعملن انسانا على صورتنا ومثالنا) وهذا هو المقصد الاسمى للعالم الانساني.

فنحن الآن نريد مربيا واحدا يكون مربيا جسمانيا ومربيا انسانيا ومربيا روحانيا نافذ الحكم في جميع الشئون.

ولو يقول احد انني كامل العقل والادراك وغير محتاج لذلك المربي فهو منكر للبديهيات ومثله كمثل الذي يقول انني لست محتاجا للتربية واعمل حسب ما يوحيه اليُ فكري وبنفسي يمكنني الحصول على كمالات الوجود: أو مثل اعمى يقول انني في غنى عن البصر لان هناك عميان كثيرين وهم عائشون اذاً صار من الواضح المشهود ان الانسان محتاج الى المربي ولا شك ان هذا المربي يجب ان يكون كاملا في جميع المراتب وممتازا عن جميع البشر في كل الشؤون لانه لو كان كسائر البشر لا يكون مربيا مخصوصا وانه يجب ان يكون المربي مربيا جسمانيا ومربيا انسانيا ومربيا روحانيا اي ينظم الامور الجسمانية ويشكل الهيئة الاجتماعية حتى يحصل التعاون والتعاضد في المعيشة وتنظم وترتب الامور المادية في كل الاحوال.

وكذلك يؤسس التربية الانسانية اي يجب بذلك ان يربي العقول والاذهان لتكون قابلة للترقيات الكلية فتتسع دائرة العلوم والمعارف وتكشف حقائق الاشياء واسرار الكائنات وخاصيات الموجودات وتزداد يوما بعد يوم التعاليم والاكتشافات ويستدل من المحسوسات على المعقولات0 وكذلك يربي تربية روحانية حتى تهتدي العقول والمدارك لمعرفة ماوراء الطبيعة وتستفيض من نفحات روح القدس وترتبط بالملأ الاعلى وتصبح الحقائق الانسانية مظاهر السنوحات الرحمانية حتى تتجلى جميع الاسماء والصفات الالهية في مرآة حقيقة الانسان وتتحقق الاية المباركة( لنعملن انسانا على صورتنا ومثالنا ).

ومن المعلوم ان القوى البشرية لا تستطيع القيام بامر عظيم كهذا ولا يمكن ان تكفل النتائج الفكرية امثال هذه المواهب فكيف يمكن لشخص واحد بدون ناصر او معين ان يؤسس هذا البنيان الرفيع اذاً لابد له ان يؤيده القوة المعنوية الربانية ليتسنى له القيام بهذا العمل الجليل،

اذ ذاتا واحدة مقدسة تحيي العالم الانساني وتغير هيئة الكرة الارضية وترقي العقول وتحيي النفوس وتؤسس حياة جديدة وتضع تعاليم بديعة وتنظم العالم وتدخل الامم والملل في ظل راية واحدة وتنجي الخلق من عالم النقائص والرذائل وتحثهم وتشوقهم الى الكمالات الفطرية والاكتسابية لابد وان تكون هذه الذات مؤيدة بالقوة الالهية حتى تعهد اليها القيام بهذا العمل العظيم ويجب ان ينظر بعين الانصاف لان هنا مقام الانصاف ان الامر الذي لايمكن لجميع دول العالم وملله اجراؤه وترويجه بكل القوى والجنود أجرته نفس مقدسة بدون ناصر او معين، فهل يمكن ادراء هذا بالقوة البشرية؟ لا والله: فحضرة المسيح مثلا رفع علم الصلح والصلاح وهو وحيد بينما جميع الدول القاهرة تعجز عن هذا العمل مع جميع قواها.

فانظر، كم من الدول والملل المختلفة مثل الروم وفرنسا والمانيا والروس والانكليز وغيرهم استظلوا تحت خيمة واحدة فظهور حضرة المسيح كان سبب الالفة بين تلك الاقوام المختلفة حتى ان بعضهم من الذين امنوا بحضرته ائتلفوا لدرجة ان فدوا باموالهم وارواحهم بعضهم بعضا واستمر ذلك الى زمن قسطنطين الذي كان سبب اعلاء امر حضرة المسيح ولكن بعده دب الخلاف فيما بينهم لاغراض مختلفة: وخلاصة ماتقدم ان حضرة المسيح جمع هذه الامم ولكن بعد مدة مديدة اصبحت الدول سبب الاختلاف مرة اخرى.

والمقصود من هذا هو ان حضرة المسيح وفق الى امور عجز عنها جميع ملوك الارض لانه وحد الملل المختلفة وغير العادات القديمة انظروا الى الرومان واليونان والسريان والمصريين والفينيقيين وسائر الملل الاوربية كم كان بينهما من الاختلافات فقضى عليها وازالها السيد المسيح وكان سببا لايجاد المحبة بين جميع هذه القبائل: نعم ولو ان الدول بعد مدة غير قصيرة اخلت بهذا الاتحاد الا ان المسيح كان قد قام بعمله والخلاصة ان المربي الكلي يجب ان يكون مربيا جسمانيا ومربيا انسانيا ومربيا روحانيا مؤهلا بقوة اخرى فوق عالم الطبيعة حتى يحوز مقام المعلم الالهي فان لم يظهر مثل تلك القوة القدسية لا يقدر على التربية لانه في ذاته ناقص فكيف يستطيع ان يربي تربية كاملة، مثلا اذا كان المربي جاهلا فكيف يستطيع ان يعلم غيره: واذا كان ظالما فكيف يجعل غيره عادلا- او ناسوتيا فكيف يجعل غيره الهيا: حينئذ يجب علينا ان ننظر بعين الانصاف هل المظاهر الالهية الذين ظهروا كانوا حائزين لجميع هذه الصفات ام لا ؟ فاذا لم يكونوا حائزين لهذه الصفات وهذه الكمالات لما كانوا مربين حقيقيين اذاً يجب ان نثبت للمفكرين بالدلائل العقلية نبوة حضرة موسى ونبوة حضرة المسيح وسائر المظاهر الالهية، وهذه الدلائل والبراهين التي نذكرها هيدلائل معقولة لا منقولة: وقد ثبت بالدلائل العقلية ان العالم في حاجة قصوى الى المربي وتلك التربية يجب ان تحصل بالقوة القدسية ولا شبهة في ان تلك القوة القدسية هي الوحي وبهذه القوة التي هي فوق قوة البشر يلزم تربية الخلق.
(حضرة عبد البهاء)

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 28 اكتوبر, 2007 03:10 ص , من قبل wanadoo
من الكويت

لا أجد علاقة مباشرة بين عنوان المقال وما ورد بالمقال .. فلم يكن مضمون الحديث يعبّر عن استمرارية الوحي من عدمه .
ولنعد للمقال ومضمامينه التي التزمت بفكرة واحدة وهي التربية الشمولية .
ولا اظن ان سبب نزول او وجود الظواهر الالهية ( حسب تسميتك ) هو فقط كمربين مع التاكيد ان التربية جزء مهم من هدفهم .
الاختزال الخطير الذي قمت به هو افراغ مضمون الوجود الانساني على الارض وعلاقته مع الخالق .
جميل جدا جدا ما كتبت ولكن عندما تتحدثين عن ذلك الحديث كجزئية من ضمن مفهوم شامل للدين او الرساله او كما تحبين ان تختاري التسمية .
وهناك نقطة جديرة بالتوقف وهي حشر الحديث عن سيدنا عيسى بالمقال والذي اظن انه لزوم ما لا يلزم بسبب ضعفك في الاستعانه به واظهاره كمربي فانت فقط قمت بحشر اسمه بالمقال والحديث عنه كمربي شمولي دون الحديث عن علاقته باستمرارية الوحي الالهي ودون الحديث عن جوانب معينه بشخص سيدنا عيسى للدلالة على شموليته كمربي .
اظن ان المقال جيد ان كان بدرس من دروس علم النفس التربوي او الحديث عن شمولية الدين والتكاملية ما بين حاجات الانسان الروحية والمادية ولا ينفع كعظة او درس ديني للاستدلال منه .
لك محبتي وتقديري .




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws

Glittery texts by bigoo.ws