عالم واحد
يا ابن الوجود-فؤادك منزلى قدِّسه لنزولى، وروحك منظرى طهِّرها لظهورى.(بهاءالله)

قصة شهيدة البهائية-3

قصة الشهيدة البهائية-منى محمود نژاد( 1965 ـ1983)

(3)

 

تعذيب السجناء
 

إلى جانب التعذيب الجسمانى والمعاناه النفسية للسجناء البهائيين وفراقهم لمن يحبون وحرمانهم من النوم وحتى الصلاه, كان يطلب منهم عادة الوقوف لساعات وساعات معصوبى العينين للاجابة على أسئلة متكررة الى ما لا نهاية. وأحيانا يجلسون ووجوههم نحو الحائط يبدأون فى الاجابة على اسئلة مكتوبة ويستمر الوضع على هذا المنوال لمدة أسبوع تقريبا تحت سيل من الاسئلة والشتائم. وقد يكون المحقق الرئيسى قاضيا أو مُّلا ولكن يمكن ان يرافقة أحيانا أى عدد من الملَوات أو الحراس وحيث أن المسجونين معصوبى الاعين لذا يبقون فى قلق دائم لعدم معرفتهم عدد الموجودين معهم في الغرفة.

مثل هذا التحقيق ثم التعذيب والضرب المبرح الذى يتم فى سرداب تحت السجن تعرضت له جميع النساء السجينات إلا منى على ما يبدو. وكن يجلدن على أرجلهن المربوطة الى طاولة معدة لذلك بقضيب من حديد أو أسلاك معدنية على طريقة العقاب الاسلامى التقليدى المعروف بالفلقة. وكانت السجينة تجلد بضع جلدات ثم تعطى فترة ليعود الإحساس إلى قدميها ويعاود الجلاد الكرة عدة مرات حتى تنتهى مدة العقاب أو يغمى عليها, وعندما تصحو يعاد جلدها من جديد ثم تجبر على المشى على قدميها الداميتين. وغالبا ما كانت تعاني من العطش الشديد, فيقدم لها الماء ويوضع فى مكان لا تقوى على الوصول إليه.كما أن عدد من النساء الاكبر سنا, بسبب عضويتهن فى المحافل الروحانية أو اللجان, ضربن بالسياط من فوق الشادور بحيث كانت خيوطه تختلط بلحمهن. ( كما روت احدى الشهود).

 

الانتقال إلى سجن عادل آباد:
 

أمضت منى فى سجن ( سپه ) 38 يوما حيث تم استجواب الجميع بشكل مركز لمدة أسبوع تقريبا وفى 29 / 11 / 1982 نقلت مع خمس سجينات بهائيات الى سجن عادل آباد فى شيراز. وفى ذلك الوقت اعتقلت السلطات الاسلامية خمسين بهائيا ( منهم 11 امرأة ) استجوبن بالطريقة نفسها ثم نقلن بسرعة الى سجن عادل آباد وانضممن الى العدد المتزايد من البهائيات هناك.

كان سجن عادل آباد مختلفا عن سجن ( سيه ) وأشد منه قذارة. فهو مكون من وحدات صغيرة من الزنزانات فى 3 طوابق, كانت البهائيات في الطابق الثالث ووضعت كل ثلاثة منهن فى زنزانة صغيرة فيها سرير يتسع لنوم واحدة بينما تضطرر الأخريات للنوم على الارض. ومع ان البهائيات وضعن فى زنزانات لوحدهن الا انه سمح لهن بالاختلاط بباقى النساء السجينات في نفس الطابق وهن خليط من السجينات السياسيات والمتهمات بجرائم مختلفة ومنهن عدد من الغانيات والمدمنات على المخدرات.

لم تُعلم السلطات عائلات السجينات بهذا الانتقال, ولكن عائلة منى علمت به بعد اسبوع لدى زيارتهم لها فى سجن ( سيه ).

فأسرعوا الى سجن عادل آباد وقابلت الام ابنتها وانزعجت لرؤيتها مصابة بالزكام, ومع أن عينيها كانتا مليئتين بالدموع إلا أنها لم تبك وطمأنت أمها بأن السجن مريح جدا وهو قصر بالمقارنة مع سجن ( سيه ) حيث يقدمون لهن ثلاث وجبات وأخبرتها أنها أرسلت لها رسالة, استلمتها الام بعد أيام قليلة وجاء فيها: "بسم الله, أحبائى, أمى يا أعز من حياتى ويا أختي المحبة, ماذا عساى أن أقول أو أكتب عن الفضل الالهى الذى احاط بعظمته كل المخلوقات حتى هذه الخادمة الفقيرة غير المستحقة للخدمة فى عتبته المقدسة. يا أعزاء قلبى وروحى, ادعيا لنا حتى نواجه كل الظروف بالرضى والسرور ولا تدعا الحزن يأخذكما لاننا بحاجة الى صلواتكما... " وأعلمتها والدتها بأنها تسلمت الرسالة.

كانت منى متجهة باهتمامها الى والدها أيضا, فطلبت من والدتها أن تحضر له بعض البطانيات لتقيه شر البرد, لم تكن لتفكر بنفسها إلا نادرا بل انحصر تفكيرها بالله ثم بباقى الاحباء المسجونين.

المرحلة الثانية من التحقيق:
 

تم إيقاظ منى في الساعة الرابعة فجرا ونقلت فى السيارة بعد ساعة الى مكان التحقيق. استغرقت الجلسة معظم النهار ووجهت لها نفس الاسئلة التى تكررت مرة بعد أخرى فى سجن (سيه ) عن معتقداتها. فأخبرتهم: " اننى أؤمن بالله ورسله جميعا وبكتبهم المقدسة وأنهم مرسلون من عند الله, ولكن مساعد النائب العام قال لى: "أنت متهمة بأنك عضو فى الحركة الصهيونية, وهم جواسيس ". فأجبته بأن البهائية لا علاقة لها بالسياسة وعلى كل حال فدولة إسرائيل تأسست قبل 32 عاما والدين البهائى وجد قبل 139 عاما وجميع مؤسساتنا روحانية وليس لها أى ارتباط بالسياسة. فرد وقال: ليس أمامك سوى خيار واحد اما أن تنكرى دينك او ينفذ فيك حكم الاعدام. فأجبته : " أفضل الاعدام . "

 

المرحلة الثالثة من التحقيق:

 

بدأت المرحلة النهائية للتحقيق بعد أيام قليلة, ففى الساعة الخامسة صباحا أخذت منى لتقابل قاضى محكمة الثورة الإيرانية الذي تولى جميع قضايا البهائيين فى شيراز, ورغم أن هذا التحقيق كان أقصرها الا أنه كان أشدها ألما ومعاناة. فبعد أن وجه إليها القاضي شتائم وإهانات لفترة طويلة أخبرها بأن والديها خدعاها وأضلاها, واتهمها بأنها تبعتهما دون ادراك لما تفعله. فأجابت منى: " رغم ولادة الشخص فى عائلة بهائية, الا أن مبادئنا تحضنا على تحرى الحقيقة بأنفسنا لا أن نقلد أفكار عائلاتنا. وهذا ما فعلته تماما. أنظر, لديك العديد من الكتب البهائية هنا اقرأها وستدرك ذلك بنفسك . لم ألمس من عائلتي في يوم من الايام ضغطا حتى أكون بهائية. وان كنت, يا سيادة القاضى, تطلب منى أنكار دينى فاننى أؤكد لك اننى لن أفعل ذلك وأنا مستعدة للاعدام. "

صعق القاضى لهذه الاجابة فرد بغضب قائلا: أنت مجرد طفلة, فكيف لك أن تدركى المعنى الحقيقى لكلمة ( الأيمان ).

فأجابت: "أي برهان تريده أقوى من كوني فى السجن لمدة أشهر أتحمل عذاب التحقيق والاستجواب, فأى شئ يمكن أن يمدني بالقوة للوقوف هنا سوى ايمانى ؟ " ثم طلب منها القاضى تلاوة مناجاة . فقالت لا استطيع. فرد : ما الذى تعنيه ؟

فقالت: " يجب أن تجلس بأحترام وتضم يديك الى صدرك قبل أن أبدأ. فرفض القاضى فى البداية الا أن شـخصيتها الروحانية استحوذت عليه بعد برهة واستجاب الى طلبها وبدأت تقرأ المناجاه.

وعندما انتهت سأل القاضى الحائر: " لماذا لم تقرأى المناجاة بلحن " اجابت: أقرأها بلحن من قلبى عندما أكون لوحدي وليس أمامك. فقال:" فى ليلة القبض عليك مع والدك جلب حرس الثورة معهم عدة أشرطة مسجلة بلحنك, واتُهمت بتضليل الشباب بصوتك الجميل والحانك العذبة, والان أصبحت متيقنا من هذه التهمة. فأجابت: يا سيادة القاضى هـل الغناء والتلحين وتلاوة الاشعار الالهية جريمة ؟ وهنا سأل القاضي - وقد شعر بخيبة أمل ـ: يا بنيتى, ما عيب الإسلام حتى تعتنقي البهائية ؟ فبدأت منى الشرح:

" ان جميع الاديان مبينة على أساس واحد, ولكن تبعا للظروف وبعد مدة من الزمن فان رسولا من عند الله يأتى لهداية البشرية. وبما أنك تجبرنى على اتباع الاسلام, فأجد نفسى مضطرة بأن أخبرك انه لا يوجد خطأ فى الاسلام كشريعة إلهية ولكن أتباعة الان لا يعرفون سوى القتل والتعذيب والارهاب وما نراه يوميا فى هذا السجن شاهد على ذلك. لهذا كله قررت أن أكون بهائية. "

سمعت زميلاتها السجينات, من بهائيات وغيرهن, تفاصيل التحقيق هذا فاندهشن وتعجبن من جرأتها أمام القاضى فتساءلت أحداهن: كيف تجرأت على قول كل هذا وبهذة الصراحة ؟ وأصبحت إجابات منى الواضحة والصريحة موضوع حديث السجينات لمدة طويلة.

 

قصص من سجن عادل آباد
 

أمضت منى وباقي البهائيات ثلاثة أشهر أخرى فى السجن, وكتبت احدى السجينات الاكبر سنا عنها ما يلى:

كانت منى تتحلى بالصفات الانسانية الكاملة وتطبق جميع المبادئ البهائية ومثالا حيا للشجاعة والاستقامة وما يجب أن يكون عليه الشاب البهائي, وأثناء مكوثنا معا فى السجن كانت تصلى طوال النهار وتتصرف كفتاة ناضجة وانسانة نبيلة مع انها لم تكن سوى طفلة بريئة, ولا أنسى الاوقات التى كانت تزورنى فيها فى زنزانتى وتجلس محملقة فى الحائط واضعة كفيها تحت ذقنها غارقة في التفكير. عندها كنت أطلب منها أن تتلو المناجاة.

وروت لنا سجينة أخرى أنه فى أحد الايام عادت سجينة بعد أحدي جلسات التحقيق في سجن ( سپه ) وأحضرت معها بعض حبات صغيرة من الخوخ الاخضر فأعطت احداها للسيدة نصرت يلدائي ( التي استشهدت مع منى ) وقالت لها: " أعرف بأنك تحبين الخوخ ولكن ليس معى ما يكفى لكل واحدة حبة, كليها ولا تخبرى أحدا ". لكن السيدة نصرت لم يطاوعها قلبها فأعطتها لسجينة أخرى والتي بدورها أعطتها لوالدة منى الجالسة بجانبها. بعد لحظات مرت منى أمام زنزانتهن فأعطتها والدتها حـبة الخوخ فأخذتها ثم عادت بعد دقائق وفى يدها صينية صغيرة فيها حبة الخوخ مقسمة الى 17 قطعة بعدد زميلاتها وزينت أطراف الصينية بالشوك والسكاكين ونادت على السجينات فجلسن فى دائرة وتناولت كل واحدة قطعة. ابتهج الجميع وضحكن طيلة ذلك اليوم.

أصبحت منى صديقة حميمة لكثير من السجينات غير البهائيات. فكانت تتحدث اليهن بناء على طلبهن وتنشد لهن الاناشيد الأمرية بكل هدوء خاصة فى لحظات بؤسهن وحزنهن, ولكنها كانت حريصة على عدم التكلم معهن عن الأمر حتى لا تسبب لهن المتاعب, وبعد مدة أصبح هناك عدد متزايد منهن يبحثن عنها مستفسرات أو ليتعلمن الاناشيد الامرية, واستمرت منى فى كتابة الشعر وهى طريقة أخرى محببة لها لتمضية الوقت, وألفت مجموعة شعرية كبيرة ذكرت فيها جميع السجينات, وفى أحد الأيام مر المسئول لتفتيش الزنزانات فاضطرت الى تمزيقها واتلافها خوفا من أن تسبب بعض المشاكل للجميع ودون أن تتمكن هى أو غيرها من حفظها.

 

 

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 18 نوفمبر, 2008 04:25 ص , من قبل اسرة بهائية

قصة الشهيدة منى مؤثرة جدا،شكرا لك لنشرك لها


اضيف في 19 نوفمبر, 2008 12:23 ص , من قبل hanasalaah
من مصر

عزيزتي أسرة بهائية
خالص الشكر والتقدير لتفضلكم بزيارتي التى قد شرُفت بها-وأشكركم على تعليقكم وأهلاً بكم دائماً.
راندا




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws

Glittery texts by bigoo.ws