(4) قصة الشهيدة البهائية-منى محمود نژاد( 1965 ـ1983) عائلة منى: اعتقال والدة منى في منتصف شهر ديسمبر 1983, وبعد مرور فترة قصيرة على المرحلة الثالثة من التحقيق مع منى اتصلت سلطات السجن بوالدتها لتعلمها بأن منى بريئة ويمكنها اخراجها من السجن اذا تمكنت من تأمين قيمة الكفالة وقدرها 35000 دولار تقريبا, فعرضت الأم رهن بيتها فى شيراز ولكن المحكمة رفضت ذلك لأن العائلة لم تملك وثيقة ملكية صريحة وبقيت منى فى السجن. واستمرت الام فى زيارة ابنتها وزوجها الى أن جاء يوم أحضرت فيه بعض الوثائق المطلوبة لاطلاق سراح ابنتها ففوجئت باعتقالها هي وإطلاق سراح ستة بهائيين وبقيت منى وأمها و14 سجينة أخرى داخل جدران السجن. واستمر اعتقال الام الى ما قبل إعدام ابنتها بأسبوع. كان اعتقال الام فى يوم السبت وهو يوم الزيارة فى سجن ( عادل آباد ). اتجهت أخت منى لزيارتها فى السجن وحيدة حزيـنة, فسألتها منى فورا عن أمها وهى تعلم يقينا أنها لا تفوت عنها أية زيارة. فأعلمتها باعتقالها فلم تتفوه منى بكلمة. وعندما أحضرت والدة منى الى السجن أخذ الحراس يصرخون على منى فى محاولة لاغاظتها, ولكنها بكل هدوء, أفسحت المجال أمام جميع السجينات لاستقبال والدتها وتحيتها قبلها ثم تقدمت منها وأخذتها بين ذراعيها وعانقتها وقالت: " أماه, أهلا بك, تعالى لاريك بيتك الجديد " وكان من المقرر لوالدة منى أن تنام فى زنزانة ابنتها فى الليلة الاولى. فنامت الام على السرير بينما منى وزميلتها طاهرة سياوشي ـ وهى احدى تسع نساء أعدمن معها ـ نامتا على الارض. وقبل ان تخلد الام الى النوم أخذت منى يدها وهمست:" عليك أن تعتادى على الوضع والامور الروتينية هنا, صلي بينك وبين نفسك, وأبك فقط عندما تكونين وحدك محبة للجمال المبارك لا تعبيرا عن الحزن والالم لان حضرة بهاء الله لا يحب ذلك اضحكى دائما وكونى سعيدة حتى تكونى مصدرا للقوة وعونا للاخريات. ولى عندك طلب آخر: لا أريدك أن تقبلينى أو تظهرى لى حبا أكثر مما تعطيه للاخريات. ولا أود أن يشعرن أن والدة منـى إلى جانبها بينما هن وحيدات هنا, كونى لهن أمّا أكثر من كونك أمّا لى, فليس مهما ان لم تجدى الوقت الكافى لى, وحاولي الاعتناء بغيري أولا ". أطاعت الأم مطالب ابنتها وحتى يوم اطلاق سراحها, لم تُقبل ابنتها ثانية أو تقضى معها وقتا أكثر مما قضته مع باقى السجينات. اللقاء الأخير لمنى مع والدها بعد عشرة أيام من اعتقال منى فزعت السجينات عندما سمعن مكبر الصوت ينادى جميع ( الاخوات البهائيات ) للتوجه الى سطح بناء السجن. وكانت هذه هى المرة الاولى التى يذكر فيها اسم البهائية فى المذياع وبشكل علنى. وعندما وصلت السجينات وجدن أن السجناء الرجال قد تجمعوا هناك أيضا, وبذلك التقت عائلة محمود نژاد ( الأب والأم والابنة، للمرة الأولى والأخيرة ). كانت لحظات ثمينة جدا للسجناء بالرغم من قصرها, فجلس أفراد العائلة يدا بيد بينما الباقون فى مجموعات صغيرة يتهامسون ويتبادلون القصص فيمد بعضهم بعضا بالقوة والثبات, وهكذا عقدت عائلة محمود نزاد آخر اجتماع عائلى لها. صارحت الأم ابنتها بأنهم سيعدمون والدها فأجابت منى: أعرف وسأتمكن من تحمل ذلك, عندها قال الوالد مطمئنا: " نعم ستنتهي عن قريب أيام فراقنا هذة. هل تذكرين يا منى, عندما كنا ننتقل من البيت, كنت أسبقك الى البيت الجديد لاجهزه ثم أصحبك إليه كسيدة رفيعة المقام. وهكذا الحال الان سأسبقك لاجهز لك بيتا فى الملكوت الابهى واستعد لإستقبالك فيه. " ثم دار حديث قصير بين منى ووالدها ولكن عيونها ظلتا تتخاطبان كسابق عهدهما دائما. ووصفت والدة منى تلك اللحظة بقولها: " رأيت منى وقد نهضت من مكانها فقبلت عينى والدها عدة مرات, بدت وكأنها تقرأ أسرارا سماوية فى عينيه, لم تكن بهما حاجة للاتصال بالكلمات بل بلغة العيون. ثم سأل الوالد عن أحوال أقربائنا وأصدقائنا, وأخيرا انتهى وقت اللقاء وانفصلنا, ولم أره الا بعد شهر بالضبط في 12/ 3 / 1983 بعد اعدامه مع اثنين من البهائيين هما الحبيب رحمت الله وفائى والسيدة طوبى زئيرپور. شقيقة منى: ترانه, أخت منى الوحيدة والتى لم تسجن من العائلة, واعتادت أن تزور والدها أيام الاربعاء وأمها وأختها أيام السبت, فتلك هى المرة الأولى التي تنفصل فيها عن جميع أفراد عائلتها, فبكت بحرقة فى الليلة الاولى من ألم الفراق. حقا كانت فترة عصيبة مرت بها, فكتبت عنها تقول: "كانت ليلة اعتقال أمى ليلة قاسية لى, فلم أكن أتصور أنى سأشعر فجأة بمثل هذا الفراغ فى حياتى وكنت مرارا احدث نفسى بأن هذا لا يقارن بما عاناه حضرة بهاء الله كالسجن وثقل السلاسل فى سجن سياه جال وابتعاده عن عائلته وسنوات النفى الطويلة وموت ابنـه وهجوم الأعداء عليه, ففى كل هذه الاحوال كان يمنح عباده الراحة والطمأنينة وأفاض علينا بألواحة المباركة وكلماته المحيية للأفئدة والأرواح, آه كم كنت جاهلة, لقد اكتشفت الان فضله اللامتناهى فدعوته قائلة: " يا حضرة الجمال المبارك امنحنى فقط الثبات لتحمل فراق من أحب". في يوم الأربعاء الأول من شهر مارس1983 طلب الحبيب محمود نزاد من ترانه أن تخبر أمها بما يلى: " لقد تقاسمنا معا فى حياتنا لحظات الحزن والفرح, والان يجب أن نحترق بنار البعد والفراق, وسيكون ذلك امتحانا لحبه لنا ولحبنا لبعضنا. " وهنا سألته: " لماذا اختار الله ثلاثة محبين له من عائلتنا وأبعدنى عن هذا الفضل, أية جريرة حرمتنى من أن أكون لائقة للسجن فى سبيله. فأجابها والدها: " هل تعتقدين بأنك حرة ؟ كل واحد منكم خارج السجن بهذه التضيقات على حياتكم, هو فى سجن أكبر, فأنت أيضا سجينة فالمحب الصادق لا يمكن أن يكون طليقا لانه أسير محبوبه. " ثم سألت: أبي، هل تريد أن تقول لي إنني يجب أن أكون سعيدة ؟ فأجابها بكل اقتناع: " كونى سعيدة وثقى بذلك. " وبعد أربعة أيام أعدم يد الله محمود نژاد شنقا, ووصل الخبر الى ابنته ترانه عن طريق زوجها فى الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم. وكتبت بعد ذلك تقول:" بعد سماعي هذه الفاجعة بدأ جسمى كله بالارتعاش, وأخذت أصرخ: " يا بهاء الابهى, أبى, أين أنت الان ؟ " لدرجة أن طفلتي الصغيرة, وعمرها سنة, استيقظت وبدأت بالبكاء أيضا. وفجأة هدأت وقلت لنفسى: " أبى, كنت تقول أن روح الشهداء تخفف من مصاب ذويها وتساعدهم وتشفع لهم, فأين هذه المساعدة ؟ " وأحسست فى تلك اللحظة, وأقسم على ذلك, بأن الهدوء انساب فى كياني بشكل لم أعهدة من قبل, قررت أن أذهب لرؤية جثمان الشهداء الثلاثة, اذا سمح لى, ونجحت فى ذلك بصعوبة متناهية وبالطبع فــان أرواحهم العزيزة قد فارقتهم وودت لو استطيع تقبيل العلامة التى تركها حبل المشنقة على عنق والدى ولكنهم لم يسمحوا لى بالاقتراب أكثر. في صبيحة أحد الايام استيقظت منى فى سجنها ورفضت تناول الطعام والشراب لمدة 30 ساعة بالرغم من توسلات والدتها وزميلاتها, وعلمنا فيما بعد بأن والدها قد أعدم فى ذلك اليوم وعندما أخبروها بذلك أجابت ببساطة: "أنا أعلم, أنا أعلم, انه لفضل عظيم عليه. "
الاربعاء, 19 نوفمبر, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











