قصة الشهيدة البهائية-منى محمود نژاد( 1965 ـ1983)-الأخير مواقف منى من موتها ( مائة ألف روح ): كتبت والدة منى فيما بعد عن شعورها فى السجن فقالت: " وصلت بالتدريج الى قناعة أحسست فيها بأن تقبل هذا الواقع المخيف بأحداثة المؤلمة أمر ممكن, ثم شعرت باكتئاب شديد, وبــدأت أبوح بأحاسيسي لابنتي منى فعبرت عن شدة قلقى عليها وقلت: لا أظن أنهم سيطلقون سراحك, ومن معاملتهم للاحباء الان فانهم اما أن يعدموك أو يسجنوك لمدة لا تقل عن 15 ـ 20 عاما وستبلغين فى ذلك الوقت من العمر 35 ـ 40 عاما فكيف سأتحمل ذلك ؟ فأجابتها منى: أماه, لو علمت أن نفرا قليلا من الناس سيصبحون بهائيين خلال كل عام أمضيه فى السجن لتمنيت أن يكون بامكانى البقاء فيه مائة ألف عام, ولو عرفت أن نتيجة اعدامى سيهب الشباب البهائى فى العالم يدا بيد لخدمة الانسانية بعيدين عن الانانية ليبلغوا العالم التعاليم الأمرية وينشروا الآثار البهائية ويحاولوا جادين تحريك العالم ، لرجوت محبوبي حضرة بهاء الله أن يهبنى مائة ألف روح لاقدمها فى سبيله. واستطردت الام قائلة: شعرت كم أنا صغيرة أمام عظمة روحها, وكأنها هى الام وأنا الطفلة. واستطاعت أن تحقق كل ما تريد بحياة وروح واحدة. " إدراك منى لموعد اعدامها: في أحد الأيام, كان يوم عيد من الاعياد المباركة, أبدت منى رغبتها فى تلاوة المناجاة منفردة بدل مشاركة الجميع, وقد لوحظ عليها قضاء أوقات طويلة لوحدها, فكانت تترك زميلاتها لتنعزل فى زنزانة خالية للتأمل والمناجاة. الا انه فى هذا اليوم أصرت والدتها أن تشارك الجميع بالاحتفال بالعيد فأطاعتها, وفى نهاية اليوم التفتت الى أمها وقالت: " كنت أريد أن أحتفل بهذا العيد الاخير وحدى للتأمل والمناجاة. " ولم تفهم والدتها قصدها فأجابتها: " لو قلت لى لسمحت لك لم وافقت بهذة السرعة ؟ " فأجابتها منى: " لك الحق فى أن تطلبى منى أن أبقى معك. أخذت منى أمها جانبا وقالت لها: أود أن أخبرك بشئ فتعالى معى. وقادتها الى دهليز مظلم ضيق لدرجة أنهما كانتا تمشيان خلف بعضهما البعض, وتوقفت منى فجأة واستدارت نحو أمها وقالت: هل تعلمين يا أمي أنهم سيعدمونني ؟ فاضطربت الوالدة اضطرابا شديدا ورفضت الاستماع اليها فلم تكن على علم بالحالة التى وصلت اليها منى من معرفة الحقيقة وتقبل الامر الواقع . واحتجت قائلة: "لا يا حبيبتى, سوف تخرجين من السجن وستكون لك عائلتك وأطفالك, وأريد أن أراهم, فأرجوك, لا تفكرى بهذة الطريقة " انزعجت منى من كلام والدتها وقالت: " أقسم بالله بأننى لا أرغب لنفسى ما تقولين وأرجو الا تطلبيه لى. أنا أعرف بأنهم سوف يقتلوننى, وأريد أن أخبرك بما سأفعلة آنذاك, فاذا لم تسمحى لى بأن أقول لك ذلك الان سوف تندمين فى المستقبل. والان هل ستسمعين الى أم لا ؟ فأجابت الام وهى فى ذهول : " نعم , أخبرينى . فتوجهت منى لامها وقالت: " تعلمين يا أمى أن المكان الذى سيأخذوننا اليه للاعدام مرتفع وسنقف على شئ عال لوضع حبل المشنقة حول أعناقنا, عندها سأتلو المناجاة من أجل سعادة ورخاء الانسانية جمعاء. " ثم أغمضت عينيها وضمت يديها الى صدرها وعلت وجهها مسحة روحانية وشرعت بتلاوة مناجاة قصيرة. ولما انتهت فتحت عينيها وقالت: " بهذا الدعاء سأودع العالم الفانى وأصعد الى الله. " ونظرت الى أمها التي كانت تحملق بها وعلى وجهها علائم الحيرة والذهول ولم تتفوه الام الا بجملة واحدة: إنها قصة جميلة يا منى ". وهنا امتلأت عينا منى بالدموع وقالت بهدوء: ليست هذه قصة يا أمى, لم لا تصدقيننى ؟ بعد يومين أخبرت منى وتسعة من زميلاتها بأنهن سيمنحن آخر فرصة لإنكار دينهن أو يحكم عليهم بالموت, وكانت هذه هى الفرصة الأخيرة لهن للبقاء على قيد الحياة. فى تلك الليلة رأت منى حلما آخر, كانت فيه تقرأ مناجاة طويلة داخل السجن فظهر لها حضرة عبد البهاء ودخل باب زنزانتها وجلس على السرير حيث كانت والدتها نائمة وزميلتها طاهرة سياوشى تنام على الارض. ربّت حضرته بيده الكريمة على رأس الام ورفع يده الاخرى باتجاه منى التى لا تزال تقرأ المناجاة, وركعت أمامه فضم يديها بين يديه المباركتين وسألها: " ماذا تريدين ؟ " فأجابت: " الاستقامة يا مولاى. " فسألها مرة أخرى: " ماذا تريدين منا ؟ " أجابت: " الاستقامة لجميع الاحباء ". فسأل للمرة الثالثة: " ماذا تريدين أنت ؟ أجابت: الاستقامة. فأجاب حضرته مرتين : " لك هذا , لك هذا . " وفى صباح اليوم التالى فى 12 يونيه حكت منى حلمها لجميع السجينات البهائيات. وفى وقت متأخر من صباح اليوم نفسه نودى على سجينتين فى أخر جلسة تحقيق معهما بقصد الضغط لإنكار العقيدة ولكن المحاولة فشلت ورجعتا الى الزنزانة, وتوقعتا اعدامهما فى المساء مع أنه لم يصدر حكم بذلك. وخلال ذلك اليوم أخذ الجميع يقرأون مناجاة " هل مفرج غير الله " وبينما هن كذلك نهضت زرين مقيمي, احدى اللتين استجوبتا مؤخرا, وعانقت منى قائلة: " يا لها من أمنية رائعة, تلك التى طلبتها من حضرة عبد البهاء, فكلى ثقة الان بثباتنا, كان من الممكن أن تطلبى الحرية لك ولامك أو لنا جميعا ولكن ما طلبتة هو أروع الأمنيات وقد وهبك إياه حضرة عبد البهاء. الأحداث الأخيرة: أ- إطلاق سراح والدة منى: في 13 يونيه 1983 أطلق سراح والدة منى بشكل مفاجئ. فعانقت جميع السجينات وطلبت منها السيدة عزت اشراقى أن تحضر عرس ابنتها ( روزيتا ) بالنيابة عنها وتأخذ معها قرنفلة حمراء عن كل سجينة. ثم عانقت منى والدتها وقبلتها للمرة الأخيرة وقالت: " أ مى, كونى مصدر شجاعة وطمأنينة لمن فى خارج السجن كما كنت للجميع فى داخلة واطلبي منهم أن يتجملوا بالصبر والسكينة. " غادرت الام السجن لتقيم فى بيت ابنتها ترانه, لان منزلها صادرته السلطات, وقصت عليها أخبار كل سجينة. كما قامت بزيارة أمهات الفتيات السجينات. ب- إعدام ستة رجال بهائيين شنقا: يوم الخميس فى 16 يونيه أعدم ستة رجال هم: عبد الحسين آزادى, بهرام أفنان, جمشيد سياوشى, كورش حق بين, بهرام يلدائى وعنايت الله اشراقى. ثلاثة منهم من أقارب النساء السجينات فجمشيد سياوشى زوج طاهرة, عنايت الله اشراقى زوج عزت ووالـد رؤيا وبهرام يلدائي ابن نصرت. وفى اليوم التالي َقدِم الأحباء من جميع أنحاء المدينة والمناطق المحيطة بها لزيارة عائلات الشهداء فأحضروا معهم الزهور ولبسوا الثياب الملونة بدل ثياب الحداد, وعلت وجوههم امارات الفرح بدل الحزن والدموع. الزيارة الأخيرة لمنى: يوم السبت زارت السجن والدة منى وأختها مع باقى عائلات النساء السجينات اللواتى لم يعلمن بعد باستشهاد الرجال الستة. كان يسمح لاربعة بهائيين فقط بزيارة السجينات اللواتى كن محتجزات خلف حاجز زجاجى بحيث يسمح لهم بالتحدث مع زائريهن بواسطة الهاتف. وفى هذه المرة أحضرت والدة منى لابنتها بعضا من البطيخ وغطاء للرأس ومنشفة جديدة. وقع الاختيار على ترانه لتخبر منى عن الاعدامات التى جرت قبل يومين. عندما حيتها أخبرتها بكل هدوء أن ستة من الاحباء قد أعدموا, وهنا امتلأت عينا منى بالدموع ووضعت يدها فوق قلبها واستفسرت عن اسمائهم, وعندما كانت ترانه تذكر الاسماء كانت دموع منى تنهمر أكثر وأكثر واليد تزداد ضغطا على القلب. وكانت تهمس بعد كل اسم وتقول: الله معه, الله معه. وأخيرا عندما لفظت ترانه اسم الحبيب اشراقى, أجهشت منى بالبكاء وقالت بصوت عال: الله معهم جميعا. وصاحت قائلة: ترانه, اقسم بالله وبالجمال المبارك بأن هذه الدموع ليست دموع الحزن بل الفرح, ولا تظنى أبدا اننى ابكى حزنا بل فرحا وسعادة. النساء العشرة: جرى إعدام منى ورفيقاتها التسعة فى مساء 18 يونيه 1983 بعد حلول الظلام فى ملعب للبولو قرب شيراز. وذكر سائق الباص الذى نقلهم الى ساحة الاعدام فى حديث مع جدة احدى الشهيدات قال: " كن جميعا فى قمة الروح المعنوية العالية ويغنين طيلة الطريق, لم أكن مصدقا بأنهن ذاهبات للاعدام. لم أشاهد فى حياتى أناسا بمثل هذه الروح العالية. وفيما يلي أسماء الشهيدات اللواتى أعدمن مع منى واعمارهن: 1ـ السيدة نصرت يلدائـــي 54 عاما 2ـ السيدة عزت جانامى اشراقي 50 عاما 3ـ الآنسة رؤيا اشراقــــي 23 عاما وابنة عزت 4ـ السيدة طاهرة سياوشـــي 32 عاما 5ـ الآنسة زرين مقيمــــي 28 عاما 6ـ الآنسة شيرين دلونــــد 25 عاما 7ـ الآنسة أختر ثابـــــت 19 عاما أو فى أوائل ال20 8ـ الانسة سيمسن صابــري فى أوائل العشرين 9ـ الآنسة مهشيد نيرو منــد 28 عاما كل واحدة منهن رمز للبطولة وجدير بالتذكر والمحبة, سوف تملأ قصصهن صفحات التاريخ بذكرى أحداث ومواقف حياتهن المدهشة.
الجمعة, 26 ديسمبر, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











