عالم واحد
يا ابن الوجود-فؤادك منزلى قدِّسه لنزولى، وروحك منظرى طهِّرها لظهورى.(بهاءالله)

تأثير الإيمان بالكلمة الإلهية

 

قد اشتعل قلب العالم بالكلمة الإلهية فاشتعلوا أنتم أيضًا بها

 

من أبرز نصائح حضرة بهاءالله هو عن كيفية سلوك الشخص وتعامله مع الآخرين. إن المبدأ الذي تنبع منه نصيحة حضرة بهاءالله هذه تشكل إحدى الحقائق الأساسية التي تتحكم بخُلق الإنسان. فيصرح حضرته بأن ليس هناك في هذا العالم ما يمكنه أن يضر أو يؤذي المرء البصير. فلن ينال من استقامته وعلو مقامه كل ما قد يقع له في حياته. فعندما يحب شخص إنسانًا ويتواضع له في سبيل الله، كأنما أحب الله وتواضع له. بذلك يجلب لنفسه بركات الله وعطاياه وسوف يُجازى على أعماله. أمّا لو عامل الشخص الآخر صاحبه بازدراء وتكبّر، فإن ذلك لن يؤثر أبدًا على مقام الشخص الذي يحقّره، بل سيعتبر كأنه أبغض الله واستكبر عليه، وبذلك تحق عليه السيئة وينال عقابه.

يصرح حضرة بهاءالله في بياناته بأن الله قد أدان في هذه الدورة الذين يثيرون الفتنة ويتعاملون بخبث مع الناس. فكل من يميل لأذية أحد أو ضره، كأنما قام بالعمل ذاته نحو الله.

إن مبدأ حضرة بهاءالله هذا يلقي ضوءًا جديدًا على العلاقات البشرية، ويفتح آفاقًا مدهشة أمامها. فهو يسبغ على الإنسان تبصّرًا أعمق وأعظم في عالم الحقائق، ويعينه على نبذ الكراهية بشكل فاعل، وكذلك التعصب وغيره من النقائص التي غالبًا ما تتبدى من البشر عند تعاملهم أو معاشرتهم لبعضهم البعض. مثلاً، يشعر المرء بمرارة وألم عندما يوجَّهُ له انتقاد ليس بمحله وتُستنكَر أعماله. في الموقف والأحوال العادية في الحياة غالبًا ما يؤدي هذا إلى برودة وجفاء وشعور بالمرارة وحتى الكره بين الناس. فالنقد الظالم والاتهامات الباطلة عوامل ضاغطة على الإنسان قد تؤدي به إلى التحطيم التام والانهيار الكامل. لكن إذا ما آمن الشخص بحضرة بهاءالله وكلماته واتبع تعاليمه السامية بإخلاص، فإن موقفه تجاه الآخرين سيتغير تمامًا وسيكتسب مناعة ضد هذا الخطر. لأنه صار يعلم بأن النقائص، مثل البهتان والعداء والحقد لن تتمكن من التأثير فيه ما دام يتوكل على الله، بينما سيئات المذنبين موجهة -طبقًا لهذا المفهوم الجديد- إلى الله الذي سيعاقبهم على أفعالهم.

حينما يبلغ المرء هذه المرحلة من النضج والتبصر، فلن يُثبطه نقد لا مبرر له، كما لن يسرّه مديح وتعظيم. في الحالتين نجد "الذات" هي التي تنفعل بمرارة إذا أزعجت وبانشراح إذا أرضيت. والمفهوم آنف الذكر، كما يفسره حضرة بهاءالله، يساعد الإنسان على كبح أنانيته والسيطرة عليها. فإن مجرد الوعي بحقيقة أن الشخص في هذه الحالة، يتصرف ضد الله عندما يدين أو يتهجم على غيره، يكفي لردعه عن الاستمرار بهذا السلوك الذي يؤاخَذ عليه. كما يمكّنه أيضًا من الإدراك بأنه ما دام متوجهًا إلى الله، فلن تستطيع قوى الشر أن تضره أبدًا بأي نحو كان.

فيما يلي كلمات تبعث على التأمل كتبها المفكر الورع ميرزا عزيز الله مصباح، العلاّمة الكبير:

 

لن يُضر من له عينان إذا نُسب له العمى، كما لن ينفع الأعمى شيئًا لو مُدحت حدة بصره. ذلك لأن ما يُعتبر مستحق المدح أو القدح في الحقيقة هو امتلاك البصر أو فقده على التوالي وليس تعليق الناس، إيجابًا أو إثباتًا، على الأمر. يستنتج من ذلك بأن العلامة الوحيدة على حدة البصيرة تُعرف عندما لا يعبأ ذاك الشخص بمديح أو ذم الناس.

 

يصرح حضرة عبدالبهاء(المبين لتعاليم حضرة بهاءالله والابن الأرشد لحضرته) بأنه إذا ما ذكر أحد في محضر حضرة بهاءالله عن وجود خلاف طفيف فيما بين المؤمنين في مكان ما، فإن الجمال المبارك(حضرة بهاءالله) يغرق في حزن شديد بدرجة تبدو على محياه علامات عميقة من الألم والغضب. في عدة مناسبات أكد حضرة بهاءالله لمن كان في محضره بأنه لو علم أن أمر الله صار مصدر فُرقة بين اثنين، لاستغنى عنه.

إن تأسيس الاتحاد فيما بين المؤمنين هو حجر الزاوية لتعاليم حضرة بهاءالله. بدونه لا يمكن لأمر الله أو مؤسساته أن تقوم بوظائفها، كما لا يمكن للفرد أو المجتمع أن يتقدما روحيًا أو ماديًا. إن الوحدة بين المؤمنين، وعند تمام الأجل، بين البشر أجمعين، لا يمكن تحقيقها بإجراءات نابعة من دوافع مصلحية، بخطط من صنع الإنسان، أو حتى بتوفر نية طيبة وتفهمّ من قبل كل البشر. إذ بهذه وأشباهها من السبل والوسائل قد يفلح البشر بتأسيس اتحاد سياسي، لا الوحدة التي أتى بها حضرة بهاءالله، وحدة تتخطى كل حدودات البشر، وتؤلّف بين أفئدة الناس وأرواحهم بروح الأخوّة الحقة وتستمد قوتها الموحّدة من حضرة بهاءالله نفسه.

إن الإنسان لقادر على تحقيق إنجازات عظيمة في كافة ميادين النشاط الإنساني. فبوسعه كسر قوانين الطبيعة، والسفر بسرعة ما فوق الصوت في الفضاء، ويقدر أن يخلق ويسيطر على مصادر طاقة مهولة ويستغلها. بل ما من حدود لما يمكنه بلوغه في المستقبل. لكن الذي لا قدرة له على تحقيقه هو التأثير في قلوب الناس وجعل خصمين يحب أحدهما الآخر. فإذا ما حاول، بنفسه فقط، أن ينفق كل ما لديه من قدرات مادية لتوحيد نفسين روحيًا، فإنه فاشل لا محالة. فتوحيد قلوب الناس وتآلفها من شأن المظاهر الإلهية ومهامهم. يشهد بذلك حضرة بهاءالله في أحد ألواحه:

"ولا تجادلوا للدنيا وما قدّر فيها بأحدٍ لأن الله تركها لأهلها وما أراد منها إلاّ قلوب العباد وإنها يُسخّر بجنود الوحي والبيان كذلك قدّر الأمر من أنامل البهاء على لوح القضاء من لدن مقضيٍ عليم."

 

وكذلك قوله المبارك في لوح آخر:

 

"أن افتحوا يا قوم مصاريع القلوب بمفاتيح الذكر من هذا الذكر الحكيم. ما أراد الله من الأرض وما عليها إلاّ قلوب عباده وجعلها عرشًا لظهور تجليّاته. إذًا قدسوها عن دونها ليرتسم عليها ما خُلقت لها وإن هذا لفضل عظيم."

 

عند مجيء المظاهر الإلهية، فإن أفئدة أتباعهم تتآلف وتتحد، بتأثير الكلمة الإلهية، في رابطة من الوحدة. حتى وإن كان أولئك أعداء من قبل، فإنهم يصبحون أحبابًا أوداء. فتراهم ينقلبون خلقًا جديدًا وقد حلّت فيهم قوة تؤثر في غيرهم وتبدل قلوبهم. هذه كانت قصة كل الأديان وشأنها. إن كلاً من حضرة موسى وحضرة عيسى وحضرة محمد فعل ذلك في أيامه. واليوم فإن كلمات حضرة بهاءالله فقط هي القادرة على تبديل قلوب الناس. فقد تمكن أتباع حضرة بهاءالله، متسلحين بقوة الكلمة الإلهية الخلاقة، من توحيد قلوب ملايين من البشر كانوا من قبل أعداء. فلقد اعترف في هذا اليوم وأقرّ بأمر حضرته يهود ومسيحيون ومسلمون وبوذيون وأتباع أديان أخرى، ووثنيون وغنوصيون وملحدون في كل قارات الأرض، يمثلون كافة الأجناس والقبائل تقريبًا، ورغم اختلاف لغاتهم ومشاربهم، اعترفوا وأقروا بمقام حضرة بهاءالله على أنه الآب الموعود وأصبحوا أتباعه. وبفضل تأثير كلمته حلّت في قلوبهم نزعة اتحاد روحي وحب عالمي لبني الإنسان، محل البغض والتعصب اللذين لم يعد لهما مكان في جوارحهم. هذه الجامعة العالمية الواسعة المتنامية باستمرار والقائمة بوظيفتها بتوافق وانسجام، هي ظاهرة وحدث فريدان في تاريخ البشر. فهي تشكل النمط، وتدلل على مجد ووعد ما سيتمخض عنه المستقبل في تكوين الرابطة البهائية العالمية. هذا وقد لا يجد المراقب المنزّه عن التعصب والباحث عن أدلة أحقية رسالة حضرة بهاءالله، صعوبة في الاقتناع بأن قوة أواصر الاتحاد التي تربط جامعة البهائيين اليوم ببعضها، لهي إحدى أوضح العلامات على عظمة مؤسسها وعلى أصلها السماوي.

 

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 22 يوليو, 2008 12:10 م , من قبل 0sadeer
من سوريا

السلام عليكم أختي العزيزة

** هناء **

ما شاء على هذا البستان الماتع اليانع..

أنا هنا لست أزيد .. بل استزيد..


اللهم اجزيها الخير و جعله في ميزان العمل...

اللهم أغفر و ارحم من كتب ...

اللهم اغفر و ارحم من قرأ....

اللهم اغفر و ارحم من علق...


بارك الله فيكِ و حماكِ الله و رعاكِ و نولكِ مناكِ

بكل احترام و تقدير

سدير




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws

Glittery texts by bigoo.ws