ما هو مفهوم الدين (1) من الشائع في الأحاديث العادية بين الناس أنّ المقصود بالدين هو المجموعة الكبيرة من الفِرَق والشِيَع والمذاهب الموجودة حاليًا . وليس من المستغرب أن يثير مثل هذا التعريف الاحتجاج فورًا فى أوساط أخرى تعتبر أنّ المقصود بالدين هو واحد أو آخر من النُظُم العقائدية الكبرى المستقلة التي عرفها التاريخ ، والتي ساهمت في رسم معالم حضارات إنسانية بأكملها ، وكانت مصدر إلهامها . بيد أنّ هذا الرأي بدوره يجد صعوبةً في الردّ على سؤال لابدَّ من طرحه وهو أين يجد المرء مكان هذه الأديان التاريخية في العالم المعاصر ؟ ويكون السؤال بالدقة : أين الدين اليهودي أو الدين البوذي أو الدين المسيحي أو الدين الإسلامي أو غيرها من النُظُم الدينية ، إذ من الواضح أنه لا يمكنُ التعرُّف إليها من خلال تلك الهيئات والتنظيمات التي تتعارض وتلك الأديان تعارضًا لا سبيل إلى إزالته ولكنها تدَّعي التحدث رسميًا بأسمائها ؟ ولا تنتهي المشكلة عند هذا الحدّ . إذ إن الرأي الآخر ردًا على السؤال سيكون حتمًا بأنّ المقصود بالدين ببساطة هو النهج الذي يتبنّاه الإنسان في الحياة ، إضافة إلى شعوره بعلاقة تربطه بتلك الحقيقة التي تتجاوز حدود الوجود المادي . وفي هذا الإطار من التفكير يصبح الدين صفة تميز شخصية الفرد ودافعًا لا يخضع لمؤثرات أيِّ تنظيم ، أو يغدو تجربة من التجارب سهلة المنال وعامة الانتشار . ولكنَّ الأغلبية من أصحاب الأفكار الدينية سوف ينظرون إلى مثل هذا الموقف على أنّه موقف يخلو من تلك السلطة بالذات التي تفرض الانضباط على النفس ، وينفي وجود أيِّ نفوذ لتوحيد الصفوف وهو الأمر الذي يعطي الدين معناه . وقد يذهب بعض معارضي هذا الموقف إلى الزعم بأنّ المقصود بالدين عكس ذلك ، إذ هو حسب قولهم يعني منهجًا للحياة يتبناه أُناس من أمثالهم هم ، يتِّبعون أسلوبًا دينيًا صارمًا بما يحتويه من شعائر دينية وطقوس يومية وتعفُّفٍ وإنكار للذات ، يميِّزهم عن سائر أفراد المجتمع . فإن هذه المفاهيم المختلفة مشتركة أيضًا ، إذا نظرنا إلى المدى الذي تحاول فيه احتواء ظاهرة متعارف عليها ، ظاهرة لا سبيل للإنسان إلى نيلها إطلاقًا ، ولكنها تصبح تدريجًا حبيسة حدود مفاهيم من وضع الإنسان ، أكانت هذه المفاهيم تنظيمية أم لاهوتية ، أم تجريبية ، أم شعائرية . إنّ تعاليم حضرة بهاء الله تمرُّ عبر هذه الآراء المتناقضة مختصرةٌ الطريق فتأتي بصياغات جديدة لكثير من الحقائق التي كانت ، جوهر الوحي الإلهي ظاهرًا أم باطنًا. ورغم أنّه لا سبيل لأيِّ إنسان أن يحيط إحاطة كاملة بما يقصده حضرة بهاء الله ، فإنه يوضح لنا أنّ أيَّ محاولة لتحديد الحقيقة الإلهية أو الإشارة إليها في الكتب اللاهوتية والفقهية أو في العقائد المذهبية إنما هي من قبيل خداع النفس: "ومن الواضح لدى أولي العلم والأفئدة المنيرة ، أنّ غيب الهوية وذات الأحدية كان مقدسًا عن البروز والظهور ، والصعود والنزول والدخول والخروج ، ومتعاليًا عن وصف كل واصف وإدراك كل مدرك " [1] فالواسطة التي أبدعها خالق كلِّ شيء ليتفاعل مع خلقه في أطوار التقدُّم والنمو هو ظهور أصحاب النُبوّة الذين بهم تظهر صفات الحقيقة الإلهية المُنزهة عن الإدراك: "ولمَّا كانت أبواب عرفان ذات الأزل مسدودة على وجه الممكنات لهذا باقتضاء رحمته الواسعة.... قد أظهر بين الخلق جواهر قدس نورانية من عوالم الروح الروحاني على هياكل العز الإنساني ، كي تحكي عن ذات الأزليُّة وساذج القِدَميَّة . "[2] إنْ تجرّأ أحدٌ فى الحكم على رُسُل الله ممجدًا أحدهم على الآخر ، سيكون ذلك بمنزلة استسلام لذلك الوهم المضلِّل بأنّ صاحب الديمومة المحيط بكلِّ شيءٍ خاضع لنزعات البشر وأهوائهم الطارئة في ما يفضِّلونه . وبهذا الصدد يُعبِّر حضرة بهاء الله بصريح البيان قائلاً : "إنّ من المعلوم والمحقق ... أنّ جميع الأنبياء هم هياكل أمر الله ، الذين ظهروا في أقمصةٍ مختلفة ، وإذا ما نظرت إليهم بنظرٍ لطيف لتراهم جميعًا ساكنين في رضوانٍ واحدٍ ، وطائرين في هواءٍ واحدٍ ، وجالسين على بساطٍ واحدٍ ، وناطقين بكلامٍ واحدٍ ، وآمرين بأمرٍ واحدٍ . "[3] وبعد كل هذا سيكون من الغرور أيضًا أن يظنَّ أحدٌّ أنّ في الإمكان – أو أنّ هناك حاجة إلى – تحديد طبيعة هذه النفوس الفريدة في قالب نظريات مستقاة من تجارب العالم المادي . ومن ثمَّ يشرح حضرة بهاء الله ما تعنيه عبارة " معرفة الله " مبيِّنًا أنّ هذه المعرفة هي معرفة مظاهر مشيئته وصفاته ، وهنا تتصل الروح اتصالًا وثيقًا بالخالق المُنزَّه عن الوصفِ والإدراك ، ويعود حضرة بهاء الله ليصف مقام المظاهر الإلهية مؤكدًا : "وأشهدُ أنْ بجمالك ظهر جمال المعبود ، وبوجهكَ لاح وجه المقصود ."[4] فإذا تيسَّر لنا أن نفهم الدين حسب هذا الاعتبار تستيقظ في النفس الإنسانية إمكانات لا يمكن تصوُّرها . فبقدر ما يتمكَّن الفرد من معرفة كيف يستفيد من نِعم الظهور الإلهي التي أغدقها الله على العصر الذي يعيش فيه ذلك الفرد ، تغتني طبيعته على نحوٍ تصاعدي بما يُسبغ عليها من صفات العالم الإلهي ، وحسبما تفضَّل حضرة بهاء الله : "حتى يتعلَّم الناس جميعًا في ظل شمس الحقيقة ، ويفوزوا بذلك المقام الذي استودعه الله في حقيقة ذواتهم ......"[5] وبما أنّ هدف الإنسانية السعي الدائم " لإصلاح العالم " [6] وخلق مدنيّة دائمة النموِّ والتطوُّر، فالقوى الخارقة التي يمتلكها الدين ليس أقلَّها قدرته على تحرير نفوس مؤمنيه من قيود الزمان نفسه ، وباستطاعته أن يبعث فيهم روح البذل ، فيقدّموا التضحيات لتخدم أجيالاً متعاقبة من المؤمنين قرونًا متتالية في المستقبل . والحق يقال إنّ الروح خالدة ، ولهذا السبب إذا استيقظت فإنّها سوف تدرك جوهر حقيقتها ، فيمنحها ذلك قوة وقدرة ليس في هذا العالم فحسب ، بل عبر تلك العوالم الغيبية الأخرى بصورة أكثر مباشرة ، وذلك بهدف دفع عجلة التطور والتقدُّم والرُقيّ . ويؤكد لنا حضرة بهاء ذلك فيتفضَّل قائلاً : "إنّ ما تشرق به تلك الأرواح هو سبب ترقّي العالم وعلوِّ شأن الأمم ... فالأشياء كلُّها لها أسبابها ودوافعها ، والسبب الأعظم في تحريك العالم هو هذه الأرواح المجرَّدة .... "[7] ومن ثمَّ فإنّ الإيمان دافع قويُّ لا تخمد جذوته بالنسبة للإنسانية التي وصفها أحد مفكِّري العصر الحديث من ذوي الشأن بأنَّها " إِنسانية تعي في ذاتها معنى التطوُّر والرُقي . " [8] فإذا ما سُدَّ الطريق أمام الإنسان ليُعبِّر تعبيرًا طبيعيًا عن إيمانه فإنّ ذلك سيدفعه إلى ابتداع صوامع للعبادة تُلبي لديه دافع الإيمان واليقين إلى حدٍّ ما ، وقد تكون هذه الصوامع إمّا وضيعة أو غير لائقة ، والدليل القاطع المؤسف على ذلك تؤكده لنا أحداث القرن العشرين ، فالإيمان دافع لا يمكن أن يُحرَم منه الإنسان . ويمكننا القول باختصار إنّه خلال تتابع الظهورات الإلهية ، فإنّ المصدر النابع منه نظام المعرفة الذي ندعوه الدين يقيم الدليل على صدقيِّة ذلك النظام وخلوّه من المتناقضات التي تفرضها الطُموحات الطائفية والمذهبية . فكلُّ مظهر إلهي إنّما يؤدّي وظيفته وهو يتمتع بسلطته واستقلاله ولا يخضع لأيِّ حكم أو اختبار . ودَوْر كلِّ مظهر من المظاهر الإلهية يُمثِّل مرحلة من مراحل الظهورات اللامتناهية لتلك الحقيقة الواحدة التي لا رديف لها . وبما أنّ الهدف من تتابع المظاهر الإلهية حثُّ البشر والإهابة بهم لإدراك ما يتمتَّعون به من قدرات ويتولَّون من مسئوليات بصفتهم أوصياء مُؤتَمنين على الكون ، فإن تتابع المظاهر الإلهية لا يعني مجرد تكرار لما سبق ، بل تحرُّك إلى الأمام نحو مزيد من التطوُّر والتقدُّم ، ولن يتمَّ تقدير هذا التتابع تقديرًا كاملاً إلا إذا نُظر إليه من خلال هذا السِّياق . [1]كتاب الايقان ص 75 & 76 . [2]المصدر السابق 76 & 77 . [3]المصدر السابق 121 [4]بهاء الله " مجموعة مناجاة " - من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل 1981 - 207 & 208 . [5]منتخباتي ص 52 . [6]المصدر السابق صــ 140 . [7]المصدر السابق صــ 106 . [8]Julian Huxley. Cited by Pierre Teilbard de chardin. The phenomenon of man "London Williem Collins Sons& co.Ltd 1959" page 243. See also Julian Huxley. Knowledge. Morality. And destine "
السبت, 23 اغسطس, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











